من قول من قال : عقد الخلائق في الإله عقائد ، وأنا اعتقدت جميع ما اعتقدوا ؛ يستلزم أن يكون اعتقاد المحقق كاعتقاد المقلّد ، وإيمانه كإيمانه ، وعمله كعمله.
فالعلم يدخل في كل باب من أبواب المساجد والكنائس ، والعمل لا يدخل إلا في باب الأول ، فإنه ليس للعبد الإطلاق في العمل ، وإلا ما جاء الشرع فلا بد من الوقوف عند الشرعي العملي.
وأمّا الاعتقاد ففرق بين اعتقاد واعتقاد ، فالمقلّد يعتقد أن الصنم إله ، ويخطئ في نسبة الألوهية إليه ، والمحقق يعتقد أن الصنم ليس بإله من حيث النسبة التي هي لله تعالى ، وإلا كان الإله متعدّدا ؛ بل يعتقد أن الصنم مظهر الاسم المضلّ يضلّ الله به الخلق ، ولا جرم أن كل الأشياء أصناما وغيرها موجودات ، ولا بد لكل وجود من موجد متجلّ فيه ببعض الأسماء المناسبة بحاله.
وذلك الاسم منسوب إلى من له الألوهية الحقيقية ، فلو عرف عابد الصنم هذا المعنى ؛ ما عبده غافلا عن عبادة الله تعالى ؛ بل كان يرفض تلك النسبة ، ويطرحها عنه مستغرقا في شهود الحق تعالى ، وقصر العبادة عليه ، فإذا الاعتقاد في الأشياء اعتقاد في الأسماء ، والاعتقاد في الأسماء اعتقاد في المسمّى ، والاعتقاد في المسمّى هو الرجوع إلى التوحيد ، ولا يحصل إلا عن علم كامل ، فعليك بطريق هذا العلم ، وكن واصلا إليه بلا إلحاد في الاعتقاد والعمل حتى تكون محققا في هذا الشأن.
والمحقق لا يحمل أمثال هذه الكلمات على الإلحاد ؛ بل يعرف النكات فيها ، والحقائق المشتمل هي عليها ، فيراعي الظواهر والبواطن في مراتبهما ، ومن حرم عين التحقيق ؛ فليبتغ الوسيلة كما قال تعالى : (اتَّقُوا اللهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ) [المائدة : ٣٥].
فانظر كيف قدّم التقوى على ابتغاء الوسيلة ؛ لأنه أصل أصيل في كل شأن ؛ والمراد بالوسيلة وهو صاحب التسليك ، وهو الذي يقدر على حل مشكلات السالك في كل طور من الأطوار ، وقد يكون الوسيلة العشق ـ بالكسر ـ وهو إفراط المحبة ، فإنه رابطة قوية بين المحبّ والمحبوب إلى حين الوصول ، ثم عند الوصول يزول ذلك
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
