__________________
ـ إدراك ، وباطنا من وجه آخر ، فإن الظهور والبطون إنما يكون بالإضافة إلى الإدراكات ، والله سبحانه وتعالى باطن إن طلب من إدراك الحواس ، وخزانة الخيال ظاهر إن طلب من خزانة العقل بطريق الاستدلال ، فإن قلت أما كونه باطنا بالإضافة إلى إدراك الحواس فظاهر ، وأما كونه ظاهرا للعقل فغامض ؛ إذ الظاهر ما لا يتمارى فيه ، ولا يختلف الناس في إدراكه ، وهذا مما قد وقع فيه الريب الكثير للخلق ، فكيف يكون ظاهرا فاعلم أنه إنما خفي مع ظهوره ؛ لشدة ظهوره ، فظهوره سبب بطونه ونوره هو حجاب نوره ، وكل ما جاوز حده انعكس على ضده.
ولعلك تتعجب من هذا الكلام وتستبعده ولا تفهمه إلا بمثال فأقول : لو نظرت إلى كلمة واحدة كتبها كاتب لاستدللت بها على كون الكاتب عالما قادرا سميعا بصيرا ، واستفدت منه اليقين بوجود هذه الصفات ، بل لو رأيت كلمة مكتوبة لحصل لك يقين ، قاطع بوجود كاتب لها عالم قادر سميع بصير حي ولم يدل عليه إلا صورة كلمة واحدة ، وكما تشهد هذه الكلمة شهادة قاطعة بصفات الكاتب ، فما من ذرة في السموات والأرض من فلك وكوكب وشمس وقمر وحيوان ونبات وصفة وموصوف ، إلا وهي شاهدة على نفسها بالحاجة إلى مدبر دبرها وقدرها وخصصها بخصوص صفاتها ، بل لا ينظر الإنسان إلى عضو من أعضاء نفسه ، وجزء من أجزائه ظاهرا وباطنا ، بل إلى صفة من صفاته ، وحالة من حالاته التي تجري عليه قهرا بغير اختياره ، إلا ويراها ناطقة بالشهادة لخالقها وقاهرها ومدبرها ، وكذلك كل ما يدركه بجميع حواسه في ذاته وخارجا من ذاته.
ولو كانت الأشياء مختلفة في الشهادة يشهد بعضها ، ولا يشهد بعضها لكان اليقين حاصلا للجميع ، ولكن لما كثرت الشهادات حتى اتفقت خفيت وغمضت لشدة الظهور ، ومثاله أن أظهر الأشياء ما يدرك بالحواس ، وأظهرها ما يدرك بحاسة البصر ، وأظهر ما يدرك بحاسة البصر نور الشمس المشرق على الأجسام الذي به يظهر كل شيء ، فما به يظهر كل شيء كيف لا يكون ظاهرا.
وقد أشكل ذلك على خلق كثير حتى قالوا : الأشياء الملونة ليس فيها إلا ألوانها فقط من سواد وحمرة ، فإما أن يكون فيها مع اللون ضوء ونور مقارن للون فلا ، وهؤلاء إنما نبهوا على قيام النور بالمتلونات بالتفرقة التي يدركونها بين الظل وموضع النور وبين الليل والنهار ، فإن الشمس لما تصور غيبتها بالليل ، واحتجابها بالأجسام المظلمة بالنهار انقطع أثرها عن المتلونات ، فأدركت التفرقة بين المتأثر المستضيء بها وبين المظلم المحجوب عنها ، فعرف وجود النور بعدم النور إذا أضيف حالة العدم إلى حالة الوجود ، فأدركت التفرقة مع بقاء الألوان في الحالتين ، ولو أطبق نور الشمس كل
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
