وإنما خصّ عشية الإثنين ؛ لأن أبواب الجنة تفتح فيها بحرمة مولد النبي صلىاللهعليهوسلم تلك الليلة ، كما تفتح في شهر رمضان ؛ فكانت ليلة الرحمة المطلقة ، والمغفرة العامة ، وخصّ عشية الخميس أيضا ؛ لأن الأعمال الأسبوعية تعرض على الله تعالى يوم الخميس ، فأحب صلىاللهعليهوسلم أن يستغفر لأمته قبل العرض على الله تعالى حتى لا يبقى لهم سيئة معروضة عليه موجبة للخجل ؛ ولذا كان لا يزال يصوم الإثنين والخميس ؛ فيبقى سنة لأهل العزيمة من أمته لا يزالون يصومونهما إلى قيام الساعة في السفر والحضر.
وفيه إشارة إلى أنه ينبغي للمؤمن ألا يمر عليه ثلاث ساعات ؛ إلا ويجدد فيها التوبة لله تعالى ، فإن لم يرجع إلى الله فيها فليجتهد أن لا يمضي ست ساعات إلا وهو راجع فيها ؛ وذلك أن أيام الأسبوع وإن كانت سبعة ؛ لكن لمّا كان يوم الخميس يوم العرض ؛ فقد بقى لنا ستة أيام هي : أيام الأعمال ؛ وهو رمز لطيف لا ينتبه له إلا من كشف الله الحجاب عن بصيرته ، نسأل الله سبحانه أن لا يبقى لنا ذنبا إلا وغفر له ، ولا تلوينا إلا وبدّله التمكين بحرمة من جعله وسيلة لجنابه ، وشفيعا عند بابه.
قال الله سبحانه وتعالى : (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ) [النساء : ٦٩].
: أي في أوامره ونواهيه.
وقوله : (وَالرَّسُولَ) [الآية : ٦٩].
__________________
ـ له ناقة شردت عليه ، فأتّبعها الناس ، فلم يزيدوها إلا نفورا ، فناداهم صاحبها : خلوا بيني وبين ناقتي ، فإني أرفق بها منكم وأعلم. فتوجه إليها ، وأخذ لها من تمام الأرض ، ثم أتى بين أيديها ، فردّها حتى جاءت واستناخت ، وشدّ عليها رحلها وركبها ، وإني لو تركتكم حيث قال الرجل ما قال فقتلتموه ، دخل النار».
فتأمّلوا رحمكم الله هذا الحديث العظيم ، وما اشتمل عليه من كمال حسن عشرته ، وسياسته مع خلق الله ، وشفقته عليهم ، ورحمته بهم ، ومعاشرته معهم ، وكمال الحرص والجد على نفعهم ، وتمام ملاطفته للجاهلين لحمله لأذاهم ، وتحمله عنهم ، فكان ذلك كله ناشئا عن تمام رحمته وكمال شفقته صلىاللهعليهوسلم ولا غرابة في أحواله وصفاته لأنه شكور لربه ، والشكور لله يكون في غاية الرفعة والكمال في جميع الأفعال ، وسائر الخصال.
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
