وقال تعالى : (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) [البقرة : ١٩٥] فطريق العقل موصول إلى الهلاك ، وطريق الشرع موصول إلى النجاة ، جعلنا الله وإياكم من أهل النجاة ظاهرا وباطنا ، ومن أهل العافية أولا وآخرا (١).
__________________
(١) قال سيدي مصطفى البكري : وقال الشيخ رضي الله عنه في شرح اليوسفية عند قول المؤلف : فالزم الباب ، ولا تخل بشيء من آداب الشرع أصلا ، فإن أخللت بشيء من الآداب أنت أو غيرك كانت العقوبة إليك سريعة ، فالزم حلقة الباب ، وزن حركاتك بميزان الشرع.
يقول لك في وصيته بلزوم الباب وحلقته ما قال الله تعالى : (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى)[البقرة : ٢٥٦] ، وهو من حلقة الباب ، وذلك هو الإيمان ، والباب الإسلام ، وبالباب وحلقته تكون السعادة للعبد ، وإنما قيد الإيمان بالله والكفر بالطاغوت.
فإنه يقول في حق قوم : (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ)[العنكبوت : ٥٢] فسمّاهم مؤمنين ، كما قال : (يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ) [البقرة : ٢٥٦] فسمّاهم كافرين ، كما سمى الكافر بالله كافرا ، فلما وقع الاشتراك في الاسم لذلك قيد بيانا لغاية الإطلاق.
واعلم أن الآداب جماع الخير ، والشرع ما شرع الله ، ففي الشرع جماع الخير ، فإن الطريق إليه لا يعرف إلا منه ، فإنه ليس لمخلوق أن يحكم فيما يقرب إلى الله إلا بروائح مكارم الأخلاق ، فإن الصورة الإلهية تعطي ذلك ، ولهذا يجني ثمرتها المؤمن صاحب الجنة والمخلد في النار لا بدّ من ذلك ، ولما كان الأمر كما قلنا لذلك أمرك بالآداب الشرعية ؛ لتكون بها في الدار المسمّاة جنة.
وأما صورة الوزن بين الحكم المشروع وبين أفعال المكلفين ، فالعلم بذلك موقوف على العلم بالشرع ، والشرع على قسمين :
ثابت يناقضه شرع ثابت ، وهو ما وقع فيه الاختلاف بين المجتهدين.
وشرع جامع وهو ما أجمعوا عليه ، فالإنسان يحتاط أبدا ، ولا يزال أبدا يميل إلى ما وقع فيه الإجماع ، كالقصر في الصلاة للمسافر ، والفطر للمسافر في رمضان ، ودخول مكة لمن لا هدي معه بعجزه دون حج ، وترك نكاح الربيبة التي ليست في الحجر ، وترك شرب النبيذ وأمثال ذلك ، وهذا هو طريق العزائم ، فأمرك ألا تجنح إلى تأويل مع قدرتك على مثل هذا : أي لا يكون في عمل مشروع ينقضه عليه شرع آخر والشارع واحد ، وأكثر من هذه النصيحة من هذا الرجل في مثل هذا الأمر لا يكون ، والله أعلم.
قال رضي الله عنه في رسالة القربة : «فالله الله. لا تنبذوا حكما ولا تعدوا حدّا من الحدود المعلومة عند علماء الرسوم ، وإن اختلفوا في ذلك وحرّم الواحد عين ما حلله الآخر فلا تقلد هذا الرسمي في شيء من
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
