فكم من رجل يعد صغيرته كبيرة ؛ لعلو رتبته ، وكم من رجل على خلافه ، يعني : يعد كبيرته صغيرة ؛ لقصور رتبته ودناءة حاله ، فيعفى عنه ما لا يعفى عن الأول ، وقس عليه الأوقات الشريفة ، فيقتل من أفطر في نهار رمضان عمدا جهرا ؛ لهتكه حرمة الوقت العزيز ، والأماكن اللطيفة فيكتب الخاطرة في الحرم المكي ، وإن كانت معفوة في خارج الحرم.
ومن ثمّ قالوا : تارك الأدب عند الحضرة ، والماشي على البساط ؛ أسوأ حالا من تاركه عند الباب ، وفي الخارج ، وأكبر الكبائر الشرك : أي الكفر مطلقا ، فلا يغفر ؛ لأنه لا وجود له في الحقيقة ، فكيف يغفر : أي يستر فكل من أشرك فإنما أشرك عن وهم وخيال ، فإنها بخلاف سائر الذنوب.
ومن أكبر الكبائر أيضا حصائد الألسنة ؛ لأنها هي التي تكب الناس على مناخرهم في النار.
ومن أكبرها أيضا الشهوة الطبيعية ؛ لأنها تلحق الإنسان بالبهائم ؛ ولذا ذمّ الله تعالى قوما بقوله : (وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ) [محمد : ١٢].
ومن أكبرها أيضا الهوى النفساني ؛ لأنه ما عبد شيء أبغض من الهوى ؛ ولذا قال تعالى : (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) [الفرقان : ٤٣].
ومن أكبرها أيضا الكبر ؛ لأنه أعظم الصفات الشيطانية.
ومن أكبرها أيضا حب الدنيا ؛ لأنه رأس كل خطيئة.
ومن أكبرها أيضا الميل إلى ما سوى الله تعالى ، وقد أمر الله تعالى بترك ما سواه كما قال : (قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ) [الأنعام : ٩١].
فمن حصل له في الأنفس الاجتناب عن هذه الكبائر ؛ حصل له الاجتناب أيضا
__________________
ـ قال : وهذا هو الحق ، ولقد أحسن الجنيد حيث قال : «حسنات الأبرار سيئات المقربين» فهم صلوات الله وسلامه عليهم وإن كان قد شهدت النصوص بوقوع ذنوب منهم فلم يخلّ ذلك بمناصبهم ، ولا قدح في رتبهم ، بل قد تلافاهم ، واجتباهم ، وهداهم ، ومدحهم ، وزكّاهم ، واختارهم ، واصطفاهم صلوات الله عليهم وسلامه. وانظر : تفسير القرطبي (١ / ٣٠٩).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
