شكر وجود الواجب ، والنوافل في مقابلة شكر وجود الممكن ؛ لأن الممكن مرآة الواجب ، وللإنسان سرّ الحقيقة الفاعلية التي تبنى عن الوجوب ، وسرّ الحقيقة القابلية التي تفصح عن الإمكان.
فلمّا كانت نشأته جامعة لهذين السرين ؛ اقتضت الحكمة الإلهية أداء الفرائض لأمر الواجب ، وأداء الحق الوجود الواجبي ، وكذا أداء النوافل امتثالا لأمر الممكن اقتضاء لحق الوجود الإمكاني ؛ فكانت الفرائض فرائض صورة ومعنى ، والنوافل نوافل صورة وفرائض معنى ، وللصورة هنا حكم المعنى عند أهل التحقيق يعني : إن للنوافل حكم الفرائض ؛ ولذا كانوا يسارعون في نوافل الخيرات ، فمن لم يعرف سرّ الوجوب في صورة الجواز ؛ مال عن هيئته الروحانية ، وانحرف عمّا يقتضيه نشأته الإنسانية.
ثم إن النساء إشارة على النفوس ، كما أن الأزواج إشارة إلى الأرواح ، والأرواح مزدوجة بالنفوس تحصيلا لولد القلب الذي هو خليفة الله في أرض الوجود ، ولا بد كذلك الأزواج من المهر ؛ وهو إعطاؤها حق التزكية ، وإلا كان قربانها لها زنا وفحشا ؛ لأنه بغير أمر الشرع لبقاء الرياء والمجازية ، وبغير أمر الحقيقة لبقاء الميل إلى الأجانب والأغيار.
ولهذا السرّ قال صلىاللهعليهوسلم : «ولدت من نكاح لا من سفاح» (١) : أي من نكاح صحيح في تشريفه وتحقيقه ؛ ولذا كان كل تولّد منه من الأقوال ، والأفعال ، والأحوال ، نتائج حقيقية ينبغي التلقي بقبولها ، والعمل بها في جميع المراتب ، وهكذا حكم الكمّل.
وأمّا من له نكاح شرعي دون حقيقي ؛ فحاله الموافقة للشرع ، ولا ينبغي الاقتداء في كل ما صدر عنه إلا بحسب الصورة الشرعية ؛ لأنه صادر عن نفس وشهادة ، لا عن قلب وغيب ، ومنه يعلم أن التزكية واجبة لكل مكلّف ، كما أن المهر واجب لكل ناكح ، فكما أن النكاح بلا مهر زنا ، فكذا مقاربة النفوس بلا تزكية فحشا حقا ؛ فعليك بالتزكية ، وإياك والبقاء بتعينات النفس ؛ فإنها تعينات
__________________
(١) رواه الطبري في تفسيره (١١ / ٧٦) ، وابن سعد في الطبقات (١ / ٦١).
![مرآة الحقائق [ ج ١ ] مرآة الحقائق](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4225_merato-alhaqaiq-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
