وجه الحكمة في ابتدائه تعالى الخلق
ـ الكلام في بيان وجه الحكمة في ابتدائه تعالى الخلق وما يتّصل بذلك. اعلم أنّ ما بيّناه في أوّل باب العدل : من أنّه تعالى لا يجوز أن يختار فعل القبيح ، يقتضي أنّ سائر ما خلقه يجب كونه حسنا ، وإلّا فسد ذلك الدليل وانتقض ، والواجب في الأدلّة أن تقع صحيحة ، فلا يجوز فيها الانتقاض والفساد. ولهذه الجملة قلنا : إنّ الذي يلزم المكلّف أن يعلم أنّه تعالى لا يفعل القبيح. فمتى علم ذلك لزمه عنده أن يعتقد في سائر ما خلقه أنّه ليس بقبيح ، وأنّه حسن. ولا يلزمه معرفة وجه الحكمة في كل فعل من أفعاله ، وإنّما يجب النظر في ذلك لحلّ الشبه ، وإسقاط ما يورده المخالف من اللّبس ؛ فهذا مما يختصّ به العلماء وهو في بابه بمنزلة المتشابهات التي يجب بيان المراد بها عند ورود الشبه ؛ وإن كان الذي يلزم المكلّف أن يعلم في الجملة أنّ المراد بها يجب أن يكون مطابقا لما اقتضاه العقل. ولهذا المعنى قلنا : إنّ الاهتمام يجب أن يشتدّ من المكلّف في معرفة أصول الأدلّة دون غيرها ، لأنّ ذلك يغنيه عن معرفة التفصيل. وإنّما يجب تكلّف القول في ذلك عند إيراد الملحدة الشّبه التي بزعمهم يتوصّلون بها إلى أنّه لا صانع للعالم ؛ من حيث لو كان له صانع لوجب كونه حكيما ، ولو كان كذلك لم تقع أفعاله على الوجه الذي وقعت عليه ، فيجب بيان فساد تعلّقهم بذلك. وعند إيراد المجبرة الشبه التي بزعمهم يتوصّلون بها إلى أنّه تعالى قد فعل ما مثله يقبح في الشاهد ، فيجب ألا يمتنع كونه فاعلا لسائر القبائح ، فيقدحون بذلك في قولنا : إنّه تعالى منزّه عن كل قبيح فيحتاج أن يبيّن فساد ما ظنّوه في هذه الأفعال ، وأنّها واقعة على وجه يحسن وقوعها عليه ؛ لإزالة الشبه التي تعلّقوا بها. وعلى هذا قلنا : إنّ ما تعبّد الله به من الشرعيّات إذا علمنا في الجملة كونه مصلحة لم يلزمنا بيان الوجه الذي له صارت مصلحة ؛ لأنّ فقد العلم بذلك لا يؤثّر فيما نعلمه من كونه تعالى حكيما ، ولا في شيء من التكليف. ولا يبعد مع ذلك أن نتكلّف ذكر ذلك عند إيراد المخالف بعض الشبه الذي يخاف عند إهمال القول فيه الفساد ؛ وإنّما يجب بيان كون الفعل مصلحة. والوجه في ذلك إذا كان هو الطريق إلى معرفة وجوبه ؛ نحو ما نقوله في معرفة الله تعالى ، فأمّا الشرعيّات فالقول فيها على ما قدّمناه (ق ، غ ١١ ، ٥٨ ، ١٦)
وجه الحكمة في الأفعال
ـ إن قيل : هل خلق الله الخلق لعلّة أم لا؟ وغرضه إذا أجيب إلى ذلك أن يقول : فيجب في تلك العلّة أن تكون مفعولة لعلّة أخرى فيؤدّي إلى ما لا نهاية له. وليس وراء ذلك إلّا أنه لا نطلب لأفعاله وجوه تحسن عليها على ما تكلّمتم. قيل له : إن أردت بالعلّة ما وقع الاصطلاح من المتكلّمين عليه وهو الأمور التي توجب ولا يبقى للاختيار فيه مدخل ، فلسنا نقول بأنّ الله خلق الخلق لعلّة لأنّا نثبته تعالى مختارا منعما ولن يكون كذلك وهناك ما يوجب على حدّ يزول فيه الاختيار. وإن أردت بالعلّة ما يتعارف به من الدواعي والأغراض فقد يصحّ أن يجاب إلى ذلك ، لأنّ وجه الحكمة في الأفعال ربّما يعبّر عنها بالعلل فيقال : " لأيّة علّة فعلت كذا" أو" تأخّرت عنّا" إلى ما أشبه
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
