إنّه لا بدّ من تردّد الدواعي ولا تثبت الدواعي والصوارف إلّا إلى الفعل أو إلى أن لا نفعل ، وفي كل واحد من الفعل وأن لا نفعل يتناول التكليف فيه على طريقين ، ففي الفعل يستوي جميعه في استحقاق المدح والثواب به إذا فعل على وجه مخصوص. ثم يفترقان في وجه آخر وهو أنّه قد يكون الذي يستحقّ الثواب لفعله له مدخل في استحقاق العقاب بأن لا يفعله وقد لا يكون كذلك. فالأوّل الواجب ، والثاني الندب. وأما في أن لا يفعل يستوي جميعه في استحقاق الثواب أن لا يفعل على وجه مخصوص. ثم يقع الفرق من وجه آخر وهو أنّه قد يستحقّ العقاب بفعل شيء منه دون غيره. فالأول هو القبيح والثاني هو ما الأولى له أن لا نفعله من ترك المطالبة بالدين ولا يخرج كل ما يتناول التكليف بأن يفعل وبأن لا يفعل عن ذلك (ق ، ت ١ ، ٣ ، ١)
ـ اعلم أنّ القبيح ليس بقبيح إلّا لوقوعه على وجه ، لأنّ ما عدا ذلك من الصفات والأحكام الراجعة إليه وإلى فاعله وإلى وجود معنى أو عدمه لا يتأتّى ذكره هاهنا ، فليس إلّا أنّه يقبح لوقوعه على وجه ، ولأجل ذلك إذا عرفناه واقعا على هذه الوجوه عرفناه قبيحا وإن لم نعلم أمرا سواه ، وإن لم نعرفه واقعا على هذا الوجه لم نعرف قبحه وإن عرفنا كل أمر مما قالوه ، فعرفنا أنّ قبحه هو لهذا الوجه (ق ، ت ١ ، ٢٣٤ ، ١٠)
ـ أمّا القبيح فالذي يصحّ وصفه تعالى بالقدرة عليه بعد بيان ضروب القبائح هو ما يقبح لتعلّقه بالغير دون ما يقبح لتعلّقه بالفاعل. فإنّ هذا لا يصحّ فيه تعالى نحو ما يقبح لكونه مفسدة في الدين وضررا بالنفس أو مقوّيا للنفع ، كما أنّ ما يجب عليه لا يتأتى فيه ما يتعلّق وجوبه بما يرجع إلى الفاعل نحو دفع الضرر ، فعلى ذلك تجري حال الأفعال. وهكذا لا يحسن منه ما هو بمنزلة الحسن منّا المختصّ بصفة زائدة على الحسن إلّا على وجه يتعدّى إلى الغير. فأمّا فيما نعدّه معدّ النوافل فمحال فيه تعالى (ق ، ت ١ ، ٢٤٤ ، ٢٢)
ـ القبيح ضرب من ضروب الأفعال فيجب أن يكون تعالى قادرا عليه كما قدر على الواجب والحسن والتفضّل ، لأنّ ضروب الأفعال لا تختصّ ببعض القادرين دون بعض ، فلا قادر إلّا وهو يقدر على سائر ضروب الأفعال. فتثبت بهذه الجملة من جهة العقل قدرته على القبيح وقد أكّد هذا الفصل في الكتاب بقوله تعالى (وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ) (الزخرف : ٣٣) وهو نظير قوله (وَلَوْ بَسَطَ اللهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ) (الشورى : ٢٧) إلى ما شاكل هذا من الآيات فدلّ بها على أنّه قادر على ما إذا وقع كان فسادا ، وأنّه لا يفعله لصلاحهم ، فهذا يقتضي وصفه بالقدرة على القبيح وإلّا كان لا يقع التمدّح بذلك (ق ، ت ١ ، ٢٤٨ ، ٢٢)
ـ إنّ القبيح على كل حالاته يقبح ولوقوعه على وجه ، ولكن ذلك الوجه من حيث قد يتبع صفة يؤثّر فيها القادر ، وما هو عليه من الأحوال قد يضاف إلى الفاعل ، كما يقال في كونه كذبا لمّا كان يؤثّر فيه كونه خبرا كونه مريدا. ونحو هذا في الحسن الذي هو الصدق وما شاكله. فلمّا كان لا يحصل كونه كذبا ولا صدقا إلّا وكونه خبرا حاصل ، وكان الذي يؤثّر في كونه كذلك هو حال القادر ، أمكن أن يقال فيما حلّ هذا
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
