إذا لزمت بدليل ، فالدليل على ضربين : أحدهما : يتناول عبادة واحدة ، فمعنى النسخ لا يصحّ فيه ؛ والآخر : يتناول تكريرها والاستمرار عليها ، على الوجه الذي يقتضيه الدليل ، لأنّه ربما اقتضى استمرار المكلّف عليها ، في أوقات مخصوصة ، أو من دون أوقات ؛ وعلى شرائط مخصوصة ، وعلى خلافها ، فمتى كان ظاهر الدليل يقتضي التكرير والإدامة ؛ على بعض الوجوه ، بعد أن قطع ذلك على الحدّ الذي يقتضيه الدليل ، قد يكون بمقدّمة عقليّة ، وقد يكون بأن تقتضيه قرينة الدليل حتى لا يفارق ؛ وقد يكون بدليل مستقبل ، فمتى كان بالوجهين الأوّلين لم نسمّه نسخا ، ومتى كان بالوجه الثالث نسمّيه نسخا ، لنفرّق بين ما يقتضي زوال الاستمرار والتكرار إذا كان مع الدليل ، وبينه إذا لم يكن مع الدليل ، بل عرض بعده ، ولنفرّق بين أن ينقطع بوجه كان لا يجوز أن لا ينقطع به ، وبين أن ينقطع بوجه كان يجوز أن لا ينقطع ؛ وهذه العبارات توضع للفروق ، فإذا ثبت ما ذكرناه من الفرق بين أن ينقطع استمرار التكليف عن المكلّف ، أو المكلّفين بمقدّمة عقليّة لا يجوز خلافها ، أو بقرينة للدليل ، لا ينتظر خلافه ، وبين أن ينقطع بأمر منتظر سمعيّ يجوز وروده كتجويز أن لا يرد ، فغير ممتنع أن نصف هذا الوجه بأنّه نسخ ، للتفرقة بينه وبين ما تقدّم ؛ وقد علمنا أنّه لا يجوز انقطاع ذلك التكليف الأوّل (والفعل واحد) لأنّا قد دللنا من جهة العقل ، على أنّ الفعل الواحد لا يصحّ فيه الوجوب والسقوط ، وإنّما يصحّ ذلك في فعلين ، وكذلك القول إنّه لا يجوز فيه التحريم والإيجاب ، وإنّما يصحّ ذلك في الفعلين ، فصار النسخ على الوجه الذي ذكرناه يتضمّن تغاير الأفعال ، وإن كان لفظه لا يقضي ذلك ، لأنّه لا فرق بين أن يقتضيه الدليل العقليّ ، وبين أن يقتضيه لفظه ، فإذا كان لفظ الدليل لو اقتضى ذلك لم يجز أن يلتبس بالفعل الواحد ، فكذلك القول إذا اقتضاه الدليل العقليّ ، بل ما يقتضيه الدليل العقليّ أوكد ، لأنّه يخرج عن باب الاحتمال (ق ، غ ١٦ ، ٩٢ ، ٥)
ـ إنّ النسخ هو : ما اقتضى من الأدلّة الشرعيّة أن لا يدوم الفعل الشرعي ، وأن ينقطع إذا كان ذلك الدليل منتظرا ، فما هذه حاله نصفه بأنّه نسخ تشبيها بإزالة الريح الآثار المعلومة ، لأنّ تلك الآثار يجوز أن تثبت وتدوم ، وهذا هو الظاهر من حالها ، والريح المزيلة لها منتظرة غير مقطوع بها ؛ فإذا وردت قيل فيها نسخت الآثار ، لأنّها قطعت الاستمرار ؛ فكذلك القول في الدليل الشرعيّ المنتظر ، إذا قطع التكرار ، الذي لو لا هذا الدليل لكان في حكم الثابت. فأمّا إذا كان زواله غير منتظر فذلك لا يعدّ نسخا ، وكذلك إذا كان في تفصيل الأوقات ينتظر ، ولا ينتظر في جملته ، كالعجز وغيره فذلك لا يعدّ نسخا ؛ ولذلك قلنا في الرسول ، لو دعا إلى شريعة سنّة واحدة ، لم يكن الرسول الثاني ناسخا لتلك الشريعة ؛ لأنّ المكلّف لا ينتظر هذا الثاني ، لزوال الأوّل دوامه ، وإنما ينتظره كما ينتظر ذوو العقول الرسل ، بل يعلم أن شريعته تنقطع بعد تقضي السنّة ، ورد رسول ثان أو لم يرد ، وإنّما يقال في الرسول الثاني ، إنّه ناسخ بشرعه لشرع الرسول الأوّل ، متى دعا الرسول الأوّل إلى إدامة ذلك الفعل ، ولم يعلّقه بوقت ؛ ويكون جواز ورود الرسول الثاني ، من جهة العقل يقتضي أنّه متى ورد ودلّ على زوال
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
