يعرف المكلّف وجوبه عليه ، ويتمكّن من فعله وتركه. لأنّه إنّما يجب عليه أن يؤدّيه على الوجه الذي وجب ولزم ، فإذا تمكّن من ذلك ففقد سائر الشرائط لا يؤثّر في هذا الباب. وقد علمنا أنّ إيجاد الشيء على الوجه الذي وجب عليه قد يمكن أن يفعله ابتداء وقد يمكن بأن يفعل ما يجب وجوده بوجوده. ولا فرق بين هذين الطريقين في أنّ معهما يمكن الأداء ، لأنّ الغرض أن يؤدّي ما وجب عليه بأن يوجده ، فإذا أمكنه أن يوجده بإيجاد سببه الذي يجب وجوده عنده فهو بمنزلة أن يتمكّن من إيجاده ابتداء. فإذا صحّت هذه الجملة ، وعلمنا أن الذي يوجده على جهة الابتداء ، إنّما يتمكّن من أدائه على الوجه الذي وجب بأن يعرفه بعينه وبما يختصّ به من صفاته ، فلا بدّ من أن يعرف ذلك ليصحّ منه أن يفعله. ومتى لم يعلم ذلك أو لم يتمكّن من معرفته ، فإيجابه عليه بمنزلة إيجاب ما لا يقدر عليه. ولذلك قلنا : إنّ تكليف الصبي والمجنون الأفعال التي لا يصحّ منهما أن يعرفاها ، بمنزلة تكليف ما لا يطاق في القبح. لأنّ مع المعرفة بعين هذا الفعل ، يصحّ الوصول إلى إيقاعه على الوجه الذي وجب ، كما يصحّ ذلك فيه مع القدرة والآلة ؛ فإذا وجب بفقدهما ، قبح تكليفه ؛ فكذلك القول مع فقد المعرفة (ق ، غ ١٢ ، ٢٣٦ ، ١٤)
ـ من مذهبهم (المعتزلة) إنّ الرب إذا علم أنّ في تكليفه عبدا من العباد فساد الجماعة فإنّه يقبح تكليفه لأنّه استفساد لمن يعلم أنّه يكفر عند تكليفه (ش ، ن ، ٤٠٩ ، ٢)
قبح الظلم
ـ لو كان الظلم يقبح لعلّة لوجب أن لا يقبح لاستحالة العلل عليه ، لأنّها لا تختصّ به ، من حيث يستحيل عليه الحلول وما يجري مجراه؟. ولوجب في الظلم أن يجوز أن يحسن إذا زالت تلك العلّة ، أو وجدت العلّة المضادّة لها. وبطلان ذلك يبيّن فساد هذا القول. فيجب أن يكون إنّما يقبح لكونه ظلما ، لأنّه لا يمكن أن يقال إنّما يقبح لفاعله ، ولا يراد به هذا الوجه ، لأنّه كان يجوز أن يحسن ـ وهو ظلم ـ على بعض الوجوه. فلمّا بطل ذلك ، صحّ ما ذكرناه ، وصار قبح الظلم في أنّه واجب لكونه ظلما بمنزلة كون الخبر خبرا وصدقا ، في أنّه إنّما يكون كذلك لوقوعه على بعض الوجوه. وإذا كانت الوجوه معقولة ، لم يمتنع تعلّق الأحكام بها. وهذه الأحكام تجري مجرى الأحكام التابعة للحدوث بالفاعل لا لعلّة ، فيجب أن يصحّ منه أن يوقعه على وجه دون وجه. ولذلك ترجع أحكام القبح والحسن إلى الفاعل من حيث تتعلّق به ؛ ولذلك يحكم فيه بأنّه يقبح منه أن يحدثه ، وأنّ القبح يختصّ حال الحدوث دون حال البقاء ليصحّ ما ذكرناه في قبحه ، فما الذي يمنع في الظلم من أن يقبح لكونه ظلما ، ويكون الدليل على ذلك أنّ عند العلم بكونه ظلما ، يعلم العاقل قبحه ، ومتى لم يعلمه كذلك ، لم يعلم قبحه ، بل يجوز أن يعلمه حسنا. فيجب أن يكون الوجه في قبحه ما عند العلم به يعلم قبحه على ما بيّنا (ق ، غ ١٣ ، ٢٨٩ ، ٥)
قبح عقلي
ـ إنّ البشر جبل على طبيعة وعقل ، وما يحسّنه العقل غير الذي ترغب فيه الطبيعة ، وما يقبّحه غير الذي ينفر عنه الطّبع ، أو يكون بينهما مخالفة مرّة ، وموافقة ثانيا ، لا بدّ من النظر في كل أمر والتأمل ليعلم حقيقة أنّه في أيّ فن ونوع
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
