الفعل شاقّا ، وإن كان قد يعظم لكونه كذلك ، لكن جميع ذلك لا يؤثّر في أنّ لكون الفعل نفعا تأثيرا في استحقاق المدح ، ولزيادته تأثير في زيادة ما يستحقّ من المدح والتعظيم ؛ ألا ترى أنّ المشقّة التي تلحق بحفر البئر في الموضع المسلوك والطريق المنقطع سواء ، ويستحقّ المدح على أحدهم لمكان انتفاع الناس به أكثر ولذلك يعظم موقع الفعل إذا كثر افتداء الناس به إذا كان خيرا وطاعة ، على ما نقوله في وجه تفضيل النبيّ صلىاللهعليهوسلم على غيره من الأنبياء صلوات الله عليهم (ق ، غ ١١ ، ١٠٢ ، ١٧)
ـ إنّ المشقّة إنّما اقتضت استحقاق الثواب من حيث كان لا يحسن من الحكيم أن يجعل الفاعل ممن يشقّ عليه ما كلّفه وحسّنه في عقله إلّا ويستحقّ عليه نفعا يجري مجرى المدح ؛ كما لا يحسن منه أن يؤلم إلّا لنفع يوفي عليه. وليس كذلك حال المدح ؛ لأنّه لا يتبع في الاستحقاق ما ذكرناه ، فلذلك استحقّه من لا يجوز عليه المشاقّ كما يستحقّه من يجوز ذلك عليه (ق ، غ ١١ ، ١٠٤ ، ١١)
مشيئة
ـ القوم ينازعون في المشيئة ، وإنّما يشاء الله الخير ، فقال تعالى : (يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (البقرة : ١٨٥) ، ومنها أنّ الله تعالى أرحم وأعدل من أن يعمي عبدا ثم يقول له : أبصر وإلّا عذبتك ، فكيف يضلّه ثم يقول له : اهتد وإلّا عذبتك؟! ، وإذا خلق الله الشقيّ شقيّا ، لم يجعل له سبيلا إلى السعادة ، فكيف يعذبه!؟ (ب ، ق ، ١٢٠ ، ١١)
ـ إنّ في إيجاب القول بالإرادة في كل شيء إيجاب القول بخلق الأفعال ، مع ما يمكن الاستدلال في هذا بأشياء ليست في الأول ، وإن كان في تحقيق الكلام في هذه تحقيق في الأولى. قال الله تعالى : (فَمَنْ يُرِدِ اللهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ) (الأنعام : ١٢٥) إلى قوله : (كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ) (الأنعام : ١٢٥) ، أخبر أنّه يريد هداية قوم بأفعالهم بهدايته ، وإضلال قوم بجعل قلوبهم ضيّقة حرجة. وقال عزوجل : (مَنْ يَشَأِ اللهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ) (الأنعام : ٣٩) ، ففرّق بين القوم بالمشيئتين ، فدلّت الآيات على / أنّ الله شاء لكل فريق بما علم أن يكون منهم ، ودلّ على أنّ المشيئة في هاتين الآيتين ليست أمر ولا رضا. وقال تعالى : (وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) (السجدة : ١٣) ، وقال : (وَلَوْ شاءَ اللهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً) (المائدة : ٤٨) ، وقال : (فَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ) (الأنعام : ١٤٩) ، ولا يحتمل أن يكون هذه المشيئة رضا أو أمرا لما قد كانا ، ثبت أنّه أراد به المشيئة التي يكون عندها فعل لا محالة (م ، ح ، ٢٨٧ ، ٧)
ـ الأصل عندنا إذا سئلنا عن مشيئة الله فعل الكفرة على ما كان وجهان : أحدهما القول بذلك في الإطلاق على ما عرف من الإرادة في ذلك ، والثاني منع الإطلاق إذا لم يفهم مراد السائل أو خشي أن يريد التعنت في ذلك ، وهو أن يقال : إنّ للمشيئة معاني فيما يتعارف ، أحدها التّمني ، وذلك عن الله منفي في كل شيء ، والثاني الأمر والدعاء إليه ، فذلك منفي عن الله في كل فعل يذم فاعله ، والثالث الرضا به والقبول له ، وذلك كذلك أيضا في كل فعل يذم عليه ، والرابع تأويله نفي الغلبة وخروج
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
