عليه الاعتراض الذي وجّهناه على الأول. ثم إنّ بين المحدث وبين الفعل فرقا ، وهو أنّ المحدث يعلم محدثا وإن لم يعلم أنّ له محدثا ، وليس كذلك الفعل ؛ فإنّه إذا علم فعلا علم أنّ له فاعلا ما وإن لم يعلمه بعينه. ولهذا عاب قاضي القضاة على الأشعري في نقض اللمع استدلاله على أنّ للعالم صانعا بقوله : قد ثبت أنّ العالم صنع فلا بدّ له من صانع ، فقال : إنّ العلم بأنّ العالم صنع يتضمّن العلم بأنّ له صانعا ، فكيف يصحّ هذا الاستدلال؟ فحصل من هذه الجملة ، أنّه إذا علم الفعل فعلا يعلم أنّ له فاعلا ما على الجملة ، وإنّما يقع الكلام بعد ذلك في تعيين الفاعل (ق ، ش ، ٣٢٤ ، ١٦)
ـ الذي يدلّ على أنّ المحدث لا يجوز كونه مخترعا من وجهين ، أنّه لو صحّ ذلك فيه ، كان لا يمتنع أن يحدث على أحد الوجهين دون الآخر ، ويجري وجها الحدوث فيه مجرى فعلين ؛ لأنّه لا يمكن أن يقال إنّ لأحد الوجهين تعلّقا بالآخر على وجه يقتضي أن لا يحصل إلّا وهو عليها جميعا ؛ لأنّ ذلك يؤدّي إلى حاجته في كونه على كل واحد من الوجهين إلى كونه على الوجه الآخر ، ولأنّ التعلّق لا يصحّ في حالين مثلين ، كما لا يصحّ في الضدّين منه. وإذا صحّ ما قلناه ، وقد علمنا أنّ من حق ما يصحّ أن يخترع ويحدث أنّه متى لم يحدث بقي معدوما ، ولو صحّ كونه محدثا من وجهين ، لوجب إذا حدث على أحدهما دون الآخر بأن يكون موجودا معدوما ، كما أنّ أحد الفعلين إذا حدث دون الآخر وجب ذلك فيهما وكون الشيء موجودا معدوما يستحيل ، فما أدّى وجب فساده (ق ، غ ٤ ، ٢٥٤ ، ١٦)
إنّ المحدث لا يصحّ أن يحصل له في الحدوث إلّا صفة واحدة. فلو قدر عليه قادران ، لكان سبيله في هذه القضية سبيله إذا قدر عليه قادر واحد لما بيّناه. فإذا ثبت ذلك ، فلو قدر القادران على مقدور واحد ، لوجب متى وجد أن يكون فعلا لهما جميعا ؛ لأنّه لا صفة له في الحدوث إلّا صفة واحدة ، فلا يمكن أن يقال إنّ أحدهما يقدر أن يجعله على صفة ، والآخر على صفة أخرى ؛ لأنّنا قد دللنا على إبطال ذلك (ق ، غ ٤ ، ٢٥٩ ، ١)
ـ فإن قيل : إذا ثبت بالجملة التي ذكرتموها أنّ تصرّف زيد يتعلّق به ويحتاج إليه ؛ فلم قلتم : إنّه يحتاج إليه في الحدوث ، وإنّه حادث من جهته؟ قيل له : لما بيّناه ، من أنّه لو لم يكن حادثا من جهته ، لعاد الأمر فيه إلى أنّه لا يتعلّق به ولا يحتاج إليه. وهذه الجملة تصحّ بأحد وجهين : إمّا بأن نبيّن ابتداء أنّه يحتاج إليه في حدوثه دون سائر أوصافه المفارقة للحدوث ؛ أو نبيّن أنّ سائر الصفات المعقولة للتصرّف لا يحتاج فيها إليه ؛ فيجب أن يحتاج إليه في حدوثه ، أو ما يتبع الحدوث. وقد بيّنا في باب إثبات المحدث كلا الوجهين. والأولى أن نعتمد عليه الوجه الأول ، وهو أن ما أوجب تعلّقه به هو الذي يوجب حاجته إليه من حيث كان محدثا ، لأنّ حدوثه من الحاصل بحسب قصده دون سائر أوصافه ، فيجب أن يحتاج إليه في الوجه الذي حصل عليه بحسب قصده. وقد بيّنا أنّ عدمه وكل صفة تختصّ حال العدم لا تعلّق لها به. وكذلك الصفات الراجعة إلى ما هو عليه في جنسه لا يحصل عليها بحسب قصده ، وإنّما يحصل حدوثه أو ما يتبع الحدوث بحسب أحواله ، فيجب أن يحتاج إليه فيها دون غيرها
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
