فقالوا فيما كان بسبيل الأوّل أنّه مخلوق ، كما أنّهم لما رأوا أنّ في الأفعال ما يستدفع به ضررا أو يستجلب به نفع سمّوا ما هذا سبيله كسبا. ويدلّ عليه ما ظهر من حال أهل اللغة أنّهم فسّروا الخلق بالتقدير ويدلّ عليه قوله تعالى : (وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ) (المائدة : ١١٠) وقوله : (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) (العنكبوت : ١٧). وقوله : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (المؤمنون : ١٤). وقول الشاعر : " ولا ثبط بأيدي الخالقين" إلى ما شاكل ذلك. فدلّ أنّهم استعملوه من التقدير المخصوص. وهذه فائدة وصفنا لله تعالى بأنّه خلق السماوات والأرض وخلق الموت والحياة. وقد كان لو لا ورود الشرع بالمنع من أن يطلق في غير الله أنّه خالق لكنّا نطلق في أفعالنا بأنّها مخلوقة. وفي أحدنا بأنّه خالقها إذا وقعت مقدّرة. ولكن السمع مانع من ذلك كما منع من إطلاق لفظ" الربّ" في غيره عزوجل ، وإن كان لفظه يقتضي المالك والسيّد وعلى ما تقتضيه طريقة اللغة (ق ، ت ١ ، ٣٤٤ ، ١٤)
ـ أمّا الطريقة التي عليها ما يكون الفعل كسبا فقد يصحّ من القديم تعالى إيجاد الفعل عليها ، ولكن النفع أو دفع الضرر يرجع إلى غيره لا إليه لاستحالتهما عليه. يبيّن ذلك أنّه كما يصحّ من العبد أن يتقدّم إلى الطعام والشراب يصحّ من الله تعالى أن يقدّمهما إليه فيكون قد وجد ما هو بصورة الكسب ، ولكنّ النفع عائد إلى العبد لا إليه تعالى. ولهذا قال" أبو هاشم" : لو كان للفعل صفة بكونه كسبا لقدر تعالى عليه كقدرتنا. وأمّا كونه خلقا فاللغة لا تمتنع من هذه التسمية ، فمتى وجد المعنى صحّ أن يتبعه الاسم ، ولكن الشرع قد منع من الإطلاق في العباد على ما تقدّم ذكره (ق ، ت ١ ، ٣٧١ ، ١٧)
ـ حدث قوم جعلوا حقيقة الكسب ما لا يتعدّى محلّ القدرة ، فخصّوا بها المباشر دون المتولّد الذي قد يتعدّى محلّها ، وفي هؤلاء من لا يضف العبد فاعلا على الحقيقة وإنّما يصفه بذلك مجازا (ق ، ت ١ ، ٤٢٩ ، ٢٠)
ـ إنّ السبب الملجئ إلى ذكر الكسب ، إذا كان ما قالوه من أنّ الأحكام الراجعة إلى العبد متعلّقة به لأجله من أمر ونهي وذمّ ومدح إلى غير ذلك مما ذكرناه ، فيجب أن يكون حدّه ينتظم ما يرجع إلى الجملة المأمورة المنهيّة ليصحّ تعليق هذه الأحكام به ، وإلّا لم يكن وجوده إلّا كعدمه. وكان تعلّقهم به ، كتعلّق الجهمي بأنّ العبد محلّ للفعل ، كما أنّه محلّ للإرادة. ومن أصوله أنّه يجب أن يفسّر الكسب بأمر يرجع إلى الفعل ، وإثبات صفة له زائدة على ما يحصل له لو لم يكن كسبا وكان خلقا مجرّدا ولا يرجع فيه إلى محلّه أو مقارنة غيره له. لأنّ كل ذلك لا يفيد فيه ما يصحّ تعلّق الأحكام به (ق ، غ ٨ ، ٨٥ ، ٥)
ـ حدّه (الكسب) بعضهم بأنّه الذي حلّه مع القدرة عليه ؛ وهذا فاسد. لأنّ الحلول يرجع إلى المحل ، دون العبد الذي يتعلّق به الذمّ والمدح. وقد بيّنا أنّ ما لا يرجع إلى الجملة لا يصحّ أن يحدّ به الكسب ، ولأنّ إثبات القدرة عليه لا يصحّ إلّا بعد ما عقل كونه كسبا. فيقال : إنّ القدرة تتناوله على هذا الوجه ؛ فكيف تدخل في حدّه؟ وقد قال شيخنا أبو هاشم ، رحمهالله ، لو قيل لهم : على أي وجه تناولته القدرة ؛ لقالوا : من حيث كان كسبا ؛ وإذا قيل لهم : ما حقيقة الكسب؟ قالوا : لأنّ
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ٢ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4209_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
