وإنّما يوصف بذلك متى حصل في الحيّ ، وإلّا فهو من جنس الريح والنفس المردّد ، وما هذا حاله يستحيل كونه حيّا قادرا أصلا ؛ لأنّ الحياة تحتاج إلى رطوبة وبنية ، وذلك لا يوجد في الروح ، فلذلك قلنا : إنّ الروح كالدم في أنّ الحياة تحتاج إليها ، وليست من جملة الحيّ ، فكيف يصحّ أن يجعل الحيّ هو الروح ، ولم يثبت أنّه مما يصحّ أن يكون حيّا مريدا أصلا (ق ، غ ١١ ، ٣٣١ ، ١٥)
ـ إنّا قد دللنا على أنّ كل محلّ ندرك به الحرارة والبرودة والألم يجب أن يكون فيه حياة ، ودللنا على أنّ كل جزء فيه حياته ، فيجب كونه من جملة الحيّ وبيّنا أنّ الحيّ هو القادر المدرك ، وأنّه ـ وإن كان أجزاء كثيرة ـ في حكم الشيء الواحد من حيث كان حيّا واحدا وقادرا واحدا. فذلك يبطل قوله : إنّ الجسد موات ؛ لأنّ هذه تفيد انتفاء الحسّ والإدراك ، وإذا دللنا على ثبوتهما في أجزاء الجسد فقد بطل ما قاله. وإذا ثبت أنّ الروح من قبيل النفس والريح ، وأن ما اختصّ بهذه الصفة لا تحلّه الحياة وإن كان الحيّ بحياة يحتاج إلى كونه في البدن فقد بطل ما قاله : من أنّ الحيّ هو الروح (ق ، غ ١١ ، ٣٣٤ ، ١٣)
ـ إنّ الحيّ هو الجسم والروح جميعا : قد حكينا عن بشر بن المعتمر هذا القول. وعن هشام بن عمرو أنّه كان يجعل كل عرض لا يكون الإنسان إنسانا إلّا بها من أحد قسمي الإنسان ، وقد حكي عن بعضهم أنّ الروح هي الحياة. وعن بعضهم خلاف ذلك. وحكي عن أبي الهذيل ـ رحمهالله ـ في الحياة أنّها يجوز أن تكون عرضا ، ويجوز أن تكون جسما (ق ، غ ١١ ، ٣٣٥ ، ١١)
ـ إنّ الذي يجب كونه من جملة الحيّ ما يلحقه حكم الحياة ؛ فإذا لحق يده وسائر أطرافه هذا الحكم فصحّ أن يدرك بها الحرارة والألم وجب كونها من جملة الحيّ ، وإن كان فقدها لا يؤثّر في كونه حيّا ، وليس كذلك الروح وغيرها ؛ لأنّ الإدراك لا يصحّ بها فيجب ألّا تكون من جملة الحيّ ، وإن استحال كونه حيّا إلّا معها ؛ كما لا يجب ذلك في الدم والشعر وغيرهما من الأمور التي لا يجوز أن يكون حيّا إلّا معها (ق ، غ ١١ ، ٣٣٧ ، ١١)
ـ أمّا قول الشيخ أبي الهذيل ـ رحمهالله ـ في الحياة : إنّها يجوز أن تكون عرضا ، ويجوز أن تكون جسما ، فالمراد عندنا أنّه ذهب إلى أن الحيّ لا يكون حيّا إلّا بعرض يحلّه وبروح تحصل فيه ، وسمّاهما جميعا حياة. ولهذا قال : إنّ الحياة يجوز أن تكون عرضا ، ويجوز أن تكون جسما ، وهذا خلاف في عبارة ؛ لأنّ الروح عبارة عن النفس المتردّد في مخارق الإنسان ، ولذلك وصفها الله ـ تعالى ـ بالنفث والنفخ ، وذلك من صفات الأجسام الدقيقة ، وقد ثبت فيما هذا حاله أنّه لا يجوز أن يوجب لغيره حالا ؛ لأنّ المجاور لا يختصّ بما جاوره اختصاص العلّة بالمعلول ، ولأنّه لو أوجب كونه حيّا لأوجبه لجنسه فكان غير الروح من الأجسام بمنزلة الروح في إيجابه كونه حيّا ؛ لأنّ الجواهر متماثلة ، وبطلان ذلك يبيّن فساد من قال بهذا القول. فأمّا إذا جعل الموجب لكونه حيّا العرض الحالّ وعبّر عن الروح بأنّها حياة من حيث لا يكون حيّا إلّا معها فإنّما خالف في عبارة ؛ لأنّ المعنى الذي قصده ممّا نقول به. وإنّما وجب ما ذكرناه من جهة العبارة ؛ لأنّ الحياة عبارة عن المعنى الذي به
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
