ـ ذهب شيخنا أبو علي إلى أنّ الخلق إنّما هو التقدير ، والمخلوق هو الفعل المقدّر بالغرض والداعي المطابق له على وجه لا يزيد عليه ولا ينقص عنه (ق ، ش ، ٥٤٨ ، ٨)
ـ أمّا شيخنا أبو هاشم ، وأبو عبد الله البصري ، فقد ذهبا إلى أنّ المخلوق مخلوق يخلق ، ثم اختلفا : فذهب أبو هاشم إلى أنّ الخلق إنّما هو الإرادة. وقال أبو عبد الله البصريّ : بل هو الفكر ، وقال : لو لا ورود السمع والأذن بإطلاق هذه اللفظة على الله تعالى ، وإلّا ما كنّا نجوّز إطلاقها عليه تعالى عقلا. وحجّته في هذا الباب قول زهير : ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري. قالا : أثبت الخلق ونفى الفري ، فدلّ على أنّ الخلق معنى على ما نقوله (ق ، ش ، ٥٤٨ ، ١٣)
ـ وبعد ، فإنّ الخلق في اللغة غير المخلوق ، وإن كان في التعارف يوضع أحدهما موضع الآخر ، ولذلك جاز في اللغة أن يقال : هو خالق وليس بفاعل لما قدّر. قال الشاعر : ولأنت تفرى ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفرى فأثبت له الخلق ولم يقطع ما قدّره ، فإذا صحّ ذلك لم يمتنع أن يكون الأمر غير الخلق ، ويكون مع ذلك مخلوقا على ما قدّمناه (ق ، م ١ ، ٢٨٣ ، ١٠)
ـ وقوله تعالى من بعد : (فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) (المؤمنون : ١٤) ، يدلّ على أنّ غير الله يصحّ منه الفعل والخلق ؛ ألا ترى إلى فساد القول بأنّه أحسن الآلهة ، لمّا لم يصحّ إثبات إله سواه ، وصحّة القول بأنّه أرحم الراحمين ، لما صحّ إثبات راحم سواه. فإن قال : فيجب أن يقال في غيره تعالى إنّه خالق بالإطلاق؟ قيل له : لا يجب ؛ لأنّ التعارف أوجب أن لا يطلق هذا الاسم إلّا في الله تعالى ، كما اقتضى أن لا يطلق اسم الربّ إلّا فيه ، ثم لم يمتنع أن يكون العبد ربا لدابته وداره ، فإن صحّ هذا المعنى فيه ، فكذلك يجب أن يصحّ فيه معنى الخلق والفعل ، وإن منع فيه الإطلاق للإيهام (ق ، م ٢ ، ٥١٥ ، ١٦)
ـ إنّ ظاهر الخلق هو التقدير ، وإنّه لا يمتنع من حيث اللغة أن يكون الخالق خالقا لما لم يفعله في الحقيقة ، إذا دبّره وقدّره والفاعل غيره ، فكان يجب على هذا الوجه الذي ذكروه أن يقال إنّه تعالى أراد : والله دبّركم ودبّر أعمالكم ، ولا يجب كون عملنا خلقا له تعالى. وبعد ، فإنّ ظاهر الكلام يقتضي أن يكون المراد بقوله : (وَما تَعْمَلُونَ) (الصافات : ٩٦) أمرا مستأنفا ، لأنّ اللفظة تدلّ على الاستقبال وقد علمنا أنّ ما سيعملونه ، مما لم يوجد بعد ، محال أن يكون خلقا له تعالى ، لأنّ ذلك هو صفة الموجود على بعض الوجوه. ومتى قالوا : إنّ المراد بذلك ليس هو الاستقبال ، بل المراد به عملهم الذي تقضّى ، أو الكائن ، فقد زالوا عن الظاهر ونازعونا في التأويل ويصير الكلام متناقضا ـ لأنّه كأنّه قال : والله خلقكم وخلق المعدوم الذي لم يوجد ـ ويوجب أن لا يكون في القول فائدة ، وأن لا يتعلّق ذلك بما وبّخهم عليه ، وبكتهم به (ق ، م ٢ ، ٥٨٥ ، ١٣)
ـ أمّا الطريقة التي عليها ما يكون الفعل كسبا فقد يصحّ من القديم تعالى إيجاد الفعل عليها ، ولكن النفع أو دفع الضرر يرجع إلى غيره لا إليه لاستحالتهما عليه. يبيّن ذلك أنّه كما يصحّ من العبد أن يتقدّم إلى الطعام والشراب يصحّ من الله تعالى أن يقدّمهما إليه فيكون قد وجد ما هو
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
