فيخرج عند ذلك من أن يكون مكلّفا لقوة هذه الدواعي. وإذا صحّ ما ذكرناه ، وكان النفع اليسير يدعو إلى الفعل ، وكذلك المنقطع المتنغّص ، فالنفع الدائم الذي لا يشوبه تنغيص أولى أن يكون داعيا إلى الفعل ، وكذلك حال المضرّة التي هي عقاب ، أن العلم بها يدعو إلى الانصراف عمّا يستحقّ بها. فإذا صحّ ذلك ، وجب في الحكمة إذا أراد تعالى تكليف العبد أن يفعل فيه هذه الدواعي أو يمكنه من فعلها. لأنّ ما يكون عنده أبعد من فعل القبيح أقرب إلى فعل الحسن الواجب ، يجري مجرى نفس الواجب ، والامتناع من القبيح في أنّه تعالى يجب أن يلزم المكلّف كما تلزم الواجبات في عقله. وهذا باب منفرد بنفسه ، لا يجب أن يحمل على سائر الألطاف. فسواء ثبت في المعرفة أنّ المكلّف يختار عندها الواجب لا محالة أو الامتناع من القبيح ، أو لم يثبت ذلك ، فالحال لا تختلف. لأنّه لا يمتنع أن تثبت للعبد الأمور التي يكون معها أبعد من فعل القبيح ويفعله مع ذلك ، والأمور التي يكون معها أقرب إلى فعل الواجب ولا يفعله مع ذلك (ق ، غ ١٢ ، ٤٢٦ ، ١)
حكمة في خلق العالم
ـ إنّ الحكمة في خلق العالم ظاهرة لمن تأمّلها بالعقل منصوصة لمن طلبها في السمع. أمّا العقل فقد شهد بأنّ الحكمة في خلق العالم إظهار آيات ليستدلّ بها على وحدانيته ، ويتوصّل بها إلى معرفته ، فيعرف ويعبد ويستوجب به ثواب الأبد. وأما السمع فآيات القرآن كثيرة منها قوله تعالى : (وَخَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ) (الجاثية : ٢٢) ، ولهذا صار كثير من العقلاء إلى أنّ أوّل ما يخلقه الرب تعالى يجب أن يكون عاقلا مفكّرا ، لأنّ خلق شيء من غير من ينظر فيه باعتبار ويتوسّل إلى معرفة الباري تعالى باستبصار عبث وسفه (ش ، ن ، ٤٠١ ، ٣)
حكيم
ـ إنّ جماعات أهل الحكمة قالوا : واجب على كلّ حكيم أن يحسن الارتياد لموضع البغية وأن يتبيّن أسباب الأمور ويمهد لعواقبها. فإنّما حمدت العلماء بحسن التثبّت في أوائل الأمور واستشفافهم بعقولهم ما تجئ به العواقب ، فيعلمون عند استقبالها ما تؤول به الحالات في استدبارها ، وبقدر تفاوتهم في ذلك تستبين فضائلهم (ج ، ر ، ١ ، ٦)
ـ الذي نريده بقولنا في الله تعالى إنّه حكيم أحد شيئين. فإمّا أن يرجع إلى ذاته فيكون الغرض كونه عالما ، على ما نفصّله في آخر الكتاب عند الكلام في الأسماء والصفات إن شاء الله. وإمّا أن يرجع إلى فعله فيكون الغرض أنّه تعالى لا يختار القبيح ولا بدّ من أن يفعل الواجب الذي التزمه بالتكليف (ق ، ت ٢ ، ١٧٣ ، ٣)
ـ إنّ الحكيم لا يفعل فعلا إلّا لغرض صحيح ولحكمة بالغة وإن غفل عنها الغافلون ولم يتوصّل إلى معرفتها العاقلون (ز ، ك ٣ ، ١٠٥ ، ٢١)
ـ الحكيم الذي يجري كل فعل على قضايا حكمته وعلمه (ز ، ك ٣ ، ٢٢١ ، ١٢)
ـ إنّ القرآن معجزة ، والمعجزة تصديق من الحكيم الذي لا يفعل القبيح لمن يجريها على يده ، ولا يجوز أن يصدق إلّا الصادق فيصير لذلك صادقا بالمعجزة (ز ، ك ٣ ، ٣٩٨ ، ١٧)
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
