تقرّب
ـ اعلم ، أنّ التقرّب مأخوذ في المعنى من القرب ، فحقيقة ذلك لا تجوز على الله تعالى. وإنّما يصحّ ذلك في الأجسام التي يصحّ عليها القرب والبعد. فإذا قيل : إنّ العبد يتقرّب إلى الله ، تعالى ، بفعل الصلاة ، فالمراد به أنّه يطلب منزلة الثواب لديه ، لأنّه أقرب المنازل عنده وأرفعها. ذلك في الشاهد متعارف ، لأنّ أحدنا قد يخاطب الملك في بعض الأحوال بذلك ، فيقول : إنّما أتقرّب إليك بهذا الفعل ، إذا طلب به ضربا من الرفعة لديه. وربما قال بدلا من ذلك : أتقرّب من قلبك. فعلى هذا الوجه استعملوا هذه اللفظة. فإذا صحّ ذلك ، وقد بيّنا في الفصل المتقدّم أنّ المكلّف للنظر والمعرفة ابتداء لا يصحّ أن يعرف الثواب وإن استحقّه على النظر وسائر الطاعات ، فيجب أن لا يصحّ منه أن يطلب بالنظر الثواب. فإذا كان هذا هو طلب القرب من الله ، تعالى ، وهو الذي يفيده التقرّب ، فيجب أن لا يصحّ منه أن يطلب بالنظر الثواب. فإذا كان هذا هو طلب القرب من الله ، تعالى ، وهو أن يتقرّب ، وهذا مما يصحّ ولا يحسن على ما بيّناه من قبل. لأنّ حسن التقرّب بالفعل متعلّق بشروط منها أن يكون عارفا بالله ، تعالى ، ومنها أن يعرف استحقاق منزلة الثواب على الفعل الذي يتقرّب به. ولذلك لا يحسن من أحدنا أن يتقرّب إلى الله ، تعالى ، بفعل المباحات لما لم يستحقّ بهما الثواب (ق ، غ ١٢ ، ٢٨٨ ، ١٦)
ـ قال شيخنا أبو علي ، رحمهالله : إنّ التقرّب بفعل الصلاة وغيرها إلى الله ، تعالى ، من العاشق لا يحسن وإن صحّ. وذلك أنّه مع فسقه لا يستحقّ الثواب على الصلاة ، لأنّها تقع محيطة بفسقه ، فيكون طالبا للثواب على وجه يقبح عليه. فذلك وإن صحّ منه ، فهو غير حسن ، إلّا أن يفعلها مع التوبة فيحسن منه التقرّب بها. فإذا كان المصلّى مع معرفته بالله ، تعالى وبالثواب ، لا يحسن منه ذلك ، فبأن لا يحسن ممن لا يعرف كلا الأمرين أولى (ق ، غ ١٢ ، ٢٨٩ ، ١٣)
ـ قال أبو القاسم : التقرّب من جنس التمني ، والمحبة كان الإنسان يتمنى ويحبّ أن يتقرّب بفعله من الله تعالى ، وليس بجائز أن يكون مع الفعل ، أو لو جاز ذلك لجاز أن يكون بعده ، مثل العلّة التي جاز من أجلها أن يكون معه (ن ، م ، ٣٦٧ ، ٢١)
ـ عند شيوخنا أنّ التقرّب إرادة في الحقيقة ، ويكون مقارنا للفعل الذي يتقرّب به (ن ، م ، ٣٦٧ ، ٢٤)
تقضّي القدرة وقت مقدورها
ـ قد بيّنا أنّ القدرة لا يصحّ أن تتعلّق إلّا بجزء واحد في وقت واحد من جنس واحد ، فلو لم نقل بأن تقضّي وقت مقدورها يخرجها من أن توصف بأنّ لها قدرة عليه لم يصحّ ما قدّمناه من الأصل. وليس كذلك حاله ـ تعالى ـ لأنّ الذي يحيل كونه قادرا على الشيء ليس إلّا وجود مقدوره ، فإذا زال هذا الوجه كان حال المقدور ـ وقد تقدّم حدوثه ـ كحاله ولما يتقدّم ذلك ، وصحّة إيجاده له على ما قدّمنا القول فيه. فأمّا ما لا يبقى فقد بيّنا أنّه لأمر يرجع إليه يستحيل وجوده إلّا في وقت واحد من فعل أيّ فاعل كان ، ولا يصحّ أن يحدث إلّا في ذلك الوقت ، وليس كذلك حال الجواهر ؛ لأنّ وجودها في كل وقت على جهة البقاء
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
