ـ ألا ترى ما روى في الخبر" لو عمدوا إلى أدنى بقرة لأجزتهم ، لكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليه". لكن هذا لا يصح : لأنّه دعوى على الله. لحدوث شيء في أمره ، وبدوّ في حكمه ، فذلك كفر ، لا يقوله مسلم ، فضلا عن أن يقول (له) رسول من الرسل. تأويل هذا أنّه قال : إنّه يقول كذا ، فلو كان الأول على غير ذلك لكان (قد) بدا له فيما عم ، وفسر بما لم يكن أراد. وذلك (معنى البداء ، بل) معنى الرجوع عن الأول مما أراد ، والتفسير له بغيره ، ولا قوّة إلّا بالله (م ، ت ، ١٨٨ ، ١٢)
ـ أمّا البداء ، فإنّه لا يكون بداء إلّا عند اعتبار أمور ؛ نحو أن يكون المكلّف واحدا والفعل واحدا والوقت واحدا والوجه واحدا ، ثم يرد الأمر بعد النهي أو النهي بعد الأمر ؛ ومثاله أن يقول أحدنا لغلامه : إذا زالت الشمس ودخلت السوق فاشتر اللحم ، ثم يقول له : إذا زالت الشمس ودخلت السوق فلا تشتر اللحم ، وإنّما يسمّى بداء لأنّه يقتضي أنّه قد ظهر له من حال اشتراء اللحم ما كان خافيا عليه من قبل. والبداء ، هو الظهور في اللغة ، ولا بدّ من اعتبار هذه الأمور الأربعة التي ذكرناها ، حتى لو تغاير واحد من هذه الأمور الأربعة خرج البداء عن أن يكون بداء ، ألا ترى أنّه لو تغاير المكلّف فقال لأحد الغلامين مثل ما قلناه أو لا ، وللغلام الثاني مثل ما قلناه ثانيا ، لم يكن من البداء في شيء ؛ وهكذا لو تغاير الفعل أو الوقت أو الوجه ، فمعلوم أنّه لو قال له : إذا زالت الشمس فاشتر اللحم ، ثم قال بعده : ولا تشتر السمن والإقط ، أو قال : إذا زالت الشمس فافعل الفعل الفلاني ، ثم قال بعده : إذا أصبحت فلا تفعل الفعل ، فإنّه لا يكون بداء البتّة لتغاير أحد هذه الوجوه الأربعة (ق ، ش ، ٥٨٤ ، ١٨)
ـ إنّ البداء هو الظهور ، ولذلك يقال : بدا لنا من هذا الأمر كيت وكيت ، وبدا لنا الرأي. وقال الله عزوجل : (وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) (الزمر : ٤٧) (وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما عَمِلُوا) (الجاثية : ٣٣) فإذا صحّ ذلك ، وجب أن يكون البداء واقعا في العلم (ق ، غ ٦ / ٢ ، ١٧٥ ، ١٢)
ـ إنّا لا نجعل الأجل إلّا الوقت الذي يقتل فيه. وقد علمنا أنّه لا يجب القضاء بأنّه كان يموت في تلك الحال لو لم يقتله القاتل ، من حيث نقدر فنقول : كان يجوز لو لا قتل القاتل له أن يكون الصلاح أن يعيش مدّة من الزمان ، كما لا يجب مثل ذلك فيمن مات بالغرق والهدم وسائر الأسباب التي يجوز أن يعيش لو لم تحدث. وإنّما كان يجب البداء لو خرج تعالى من أن يعلم بما كان عالما به ، أو ظهر له ما لم يكن عالما به ووجد من فعله ما يقتضي ذلك فيه. وتجويزنا أن يعيش مدّة لو لم يقتله القاتل ليس ببداء ، ولا يدلّ عليه ، فكيف يمنع من ذلك لهذه العلّة ، ولو جاز التعلّق بذلك فيما قال لجاز أن يقال فيمن مات ببعض الأسباب التي حدثت عند اختياره من غرق وهدم : إنّه يوجب البداء لو جوّزنا أن يبقى بعد ذلك لو لم يختر ذلك السبب (ق ، غ ١١ ، ٧ ، ٧)
ـ قد بيّنا أنّ البداء هو الظهور ، فمتى ظهر للحيّ من حال الشيء ما لم يكن ظاهرا له ، إمّا بأن يعلمه ولم يكن من قبل عالما به ، أو بأن يظنّ وجه الصلاح فيه ولم يكن من قبل كذلك ، وصف بأنّه قد بدا له. ثم استعمله الناس في تغيّر العزوم والإرادات ، فقيل لمن لا يثبت على عزم واحد : إنّه ذو بدوات ، وقيل لمن يعد
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
