وإلّا انقلب جهلا. وليس كذلك حال الإرادة ؛ لأنّها تتناول حدوث الشيء ولا تتعلّق به على ما هو به. وهي في بابها بمنزلة الاعتقاد الذي قد يتعلّق بالشيء على ما هو به وعلى ما ليس به ؛ لأنّها لا تكون إرادة بأن تقع على وجه مخصوص ، فهي جنس الفعل كالاعتقاد فحملها عليه أولى من حملها على العلم (ق ، غ ١١ ، ١٥٩ ، ١٣)
ـ إنّ العلم ، وإن كان يتعلّق بالشيء على ما هو به ، فإنّه لا يصير علما على ما هو به ، فمكان العلم. كما لا يصير العلم علما ، لكون معلومه على ما هو به. وقد شرحنا ذلك من قبل ، فإذا لم يجب ذلك في العلم ، فبأن لا يجب ذلك في الاعتقاد أولى. وكان يجب ، على قولهم هذا ، إذا كان الإنسان قادرا على الاعتقادات المختلفة في الأمور ، أن يقدر أن يجعلها على الصفات التي يصحّ أن يعتقدها فيه ، فيجعل السواد مرّة سوادا ، ومرّة بياضا ، والجسم مرّة قديما ، ومرّة محدثا ، وقد علمنا أنّه إن كان قديما لم يجز أن يتغيّر حاله وإن كان محدثا فكمثل (ق ، غ ١٢ ، ٤٩ ، ٨)
ـ إنّ الاعتقاد الذي لا يأمن فاعله أن يكون جهلا ، إنّما يقبح متى لم يتعلّق وجوده بوجود غيره من الأسباب الموجبة. أو لم يختره من قد عرف طرائق العلم من قبل ، وفصل بينه وبين غيره؟ لأنّه إذا عرف ذلك ، وتذكّر نظره ، وما حصل عليه بعد النظر من سكون النفس إلى ما عرفه ، صار ما يختاره من الاعتقاد عنده في أنّه قد اختاره عند أمر يبعد كونه جهلا ويقرب كونه علما ، أبلغ مما يفعله عن النظر ، فوجب القضاء بحسنه (ق ، غ ١٢ ، ٢٥١ ، ١٦)
ـ إنّ من حقّ الاعتقاد أن لا يحسن من المكلّف أن يقدم عليه إلّا تابعا لغيره مما يخرج به من أن يكون في حكم المبخّت الجاهل. ومتى أقدم عليه ، لا على هذا الوجه كان مقدما على قبيح. كما أن الخبر لا يحسن منه الإقدام عليه ؛ إلّا مع العلم بحال المخبر ، وإلّا كان في حكم الكاذب. وإنّما يخرج الاعتقاد من أن يكون كذلك ، بأن يقع عن النظر في الأدلّة ، أو بأن يفعله مع تذكر الأدلّة. لأنّه متى كان كذلك أمن فيه أن يكون جهلا ، ومتى أقدم عليه لا على هذا الوجه لم يأمن كونه جهلا. وقد علمنا أنّه كما يقبح الجهل ، فكذلك يقبح الإقدام على ما لا يأمنه جهلا ؛ بل لو لم يقبح ذلك ، لم يقبح الجهل. وذلك لأنّ المكلّف قبل إقدامه على الاعتقادات لا يعرف أنّه جهل ، وإنّما يعرف ذلك من بعد. فلو لم يقبح الإقدام على ما لا يأمن فيه ذلك ، لم يقبح الجهل أيضا. فإذا صحّ ذلك بما ذكرناه وبما قدّمناه من قبل في هذا الكتاب ، فيجب أن لا يحسن من المكلّف أن يعتقد في الله ، تعالى ، وفي سائر ما يلزم من التوحيد والعدل ما هو عليه أو خلافه ، إلّا بأن ينظر في الأدلّة ، على ما قدّمناه ، وإلّا لم يأمن كونه جهلا. وهذا قبيح لا يجوز من الحكيم أن يكلّفه العبد ، كما لا يحسن أن يكلّفه الخبر الذي لا يأمن كونه كذبا (ق ، غ ١٢ ، ٥٢٦ ، ١٦)
ـ أمّا الاعتقاد فقد يقبح لأمرين : أحدهما لأنّه جهل ، والآخر لأنّه لا يأمن أن يكون جهلا ، ويدخل في هذين كل ما يقبح من الاعتقاد ، وإنما يخرج عنهما ما يكون علما ، بأن يعلمه المكلّف أنّه يقع علما ، أو يعلم أنّه مما يختاره عن نظر قد حسن في عقله ، أو عند ذكر الأدلّة ، على ما تقدّم القول فيه في باب المعرفة ، لأنّه
![موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي [ ج ١ ] موسوعة مصطلحات علم الكلام الإسلامي](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4208_mosoa-mostalahat-ilm-alkalam-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
