الغرض من تلك البيانات والأمثلة إثبات أمر هو من الفطريّات ولا تعريفه ؛ بل الغرض بيان إمكان انفكاكه عن التّقدّم الزّمانى (١٧٣) ؛ فإنّ الجماهير يظنّون أنّ التّقدّم الزّمانىّ شرط فى حصول هذا التّقدّم.
<٩> تحديق إحقاقيّ
وإذ قد علّمناك ، بفضل العليم الحكيم : أنّ التّقدّم بالماهيّة هو تقدّم عليّة الماهيّة ، بمعنى ما يتوقف عليه الشّيء فى تجوهر سنخ ماهيّته وقوام جوهرها فى مرتبة الذّات ، مع عزل اللّحاظ عن مرتبة الوجود المتأخّرة عن مرتبة فعليّة نفس الماهيّة ؛ والتّقدّم بالطبع هو تقدّم عليّة الوجود ، بمعنى ما يتوقف عليه الشّيء فى وجوده مع عزل اللحاظ عن مرتبة تجوهر نفس الماهيّة المتقدّمة على مرتبة الموجوديّة ؛ والتّقدّم بالعليّة هو تقدّم العلّة الموجبة ، أى : جاعل نفس ماهيّة الشّيء جعلا بسيطا ، الّذي هو بعينه مفيد وجوده وموجب فعليّة تجوهره وفعليّة موجوديّته ،
وأنّ التّقدّم الذّاتىّ العقلىّ ، وهو الّذي يجمع هذه التّقدّمات تناولا ، إنّما يجب بحسبه انفكاك المتقدّم عن المتأخّر فى المعنى الّذي فيه التّقدّم مع اشتراكهما فيه أخيرا فى المرتبة العقليّة وباعتبار ما يلزم ذاتيهما فى لحاظ العقل. وأمّا فى الزّمان أو فى الدّهر فقد يجب بحسبه معيّتهما فى ذلك المعنى الّذي فيه التّقدّم ، ويمتنع الانفكاك بينهما فيه انفكاكا بالزّمان أو بالدّهر امتناعا متكرّرا من الجانبين. وذلك فى التّقدّم بالعلّيّة.
وهناك ما فيه التّقدّم معان ثلاثة : هى فعليّة التّجوهر وفعليّة الوجود وفعليّة وجوبهما جميعا. فالمتقدّم بالعلّية يمكن أن ينفكّ فى هذه المعانى عن المتأخّر بحسب المرتبة الذّاتيّة الفعليّة ، لا بحسب الزّمان أو الدّهر ، والمتأخّر بالمعلوليّة لا يمكن أن ينفكّ فيها عن المتقدّم أصلا ، لا بحسب المرتبة الذّاتيّة الفعليّة ولا بحسب الزّمان أو الدهر. وقد لا يجب بحسبه ذلك ، بل يختصّ امتناع الانفكاك الزّمانىّ أو الدّهرىّ بالمتأخّر وحده.
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
