<٧> توفية إمعانيّة
إنّ الأمر قد باث نظرنا عنه مستقصى. فالّذى استبانه الفحص الممعن هو أنّ المعنى الّذي فيه التّقدّم والتّأخّر فى التقدّم العقلىّ الذّاتىّ الوجود أو فعليّة الماهيّة المعبّر عنها بالتّجوهر والتقرّر أو وجوب التّجوهر ووجوب الوجود ، أمّا فى التّقدّم بالطبع فما فيه التّقدّم هو نفس الوجود ، وأمّا فى التقدّم بالماهيّة فنفس تجوهر الماهيّة ، وأمّا فى التّقدّم بالعلّيّة فوجوب التجوهر ووجوب الوجود جميعا.
ولست أعنى بذلك أنّ المتقدّم بالعلّيّة لا يتقدّم فى أصل الوجود وفى أصل التّجوهر ، بل إنّما يتقدّم فى وجوبها فقط ؛ فإنّ المتقدّم بالعلّيّة ليس يمكن أن يتخلّف عنه المتأخّر بالمعلوليّة فى نفس الأمر ، ولا يتصوّر أن يفترقا فى الوجود والتّجوهر أصلا. كما قد بادرت إليه أوهام هؤلاء السّفلة الأقشاب ، لأنّه كما ليس يتصوّر تعارفهما فى التّجوهر والوجود ، فكذلك ليس يتصوّر بينهما التّفارق فى وجوب التّجوهر ووجوب الوجود حتّى يمكن أن يكون أحدهما واجب التّجوهر والوجود ولا يجب للآخر تجوهر ووجود. فهل يمكن حصول التّجوهر والوجود بلا وجوب لهما ؛
فإن بيّن التّقدّم فى وجود التجوهر والوجود بان وجوبهما للمتأخّر بالمعلوليّة عن المتقدّم بالعليّة وللمتقدّم بالعليّة ، لا عن المتأخّر بالمعلوليّة ، بل من تلقاء نفسه أو عن علّة له ، فكذلك البيان فى نفس التّجوهر ونفس الوجود. ألم يستبن لك : أنّ التّقدّم بالعليّة إنّما يكون حين كون المتقدّم بالعليّة المتأخّر بالمعلوليّة فى التّجوهر والوجود معيّة زمانيّة أو معيّة دهريّة.
فالعلّة ما دامت متجوهرة موجودة مع معلولها متقدّمة عليه تقدّما بالعلّيّة وهى بعد وجود معلولها لم تنقلب من التّقدّم عليه بالعليّة إلى الاجتماع معه ، كما ربما تذهب إليه الأوهام العاميّة القاصرة. تلك سنّة التّقدّم الزّمانىّ والتّقدّم السّرمديّ ؛ فإنّ المتقدّم على شيء ما بالزّمان يكون له بعد وجود ذلك الشّيء تقدّم زمانىّ عليه
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
