يحتبس فى لغة اللّسان. والحقيقة فوق أن تقتنص من الإطلاقات العرفيّة ولا سيّما التى ليس للعقول إلى اكتناهها من سبيل ؛ وإنّا أسقطنا من قوله تلك الألفاظ ، وطوينا كشح النّقل عن إيرادها ورأيناها حقيقة بأن نتركها فى موضعها إيذانا بأنّها لا يكاد يسوغ أن تذكر إلاّ مع التّأويل.
وأمّا رئيس أتباع أرسطاطاليس من مشّائيّة الإسلام أبو عليّ بن سينا ، فمع شدّة تثوّر القريحة وتوقّد الغريزة والتّوغّل فى تعريف أوعية الكون وتمييز الأكوان الثّلاثة الزّمانيّة والدّهريّة والسّرمديّة ، بعضها عن بعض ، وإطناب القول (١٦٨) فى أنّ الزّمانيّات والمادّيّات من أعيان الموجودات ليست زمانيّة ومادّيّة بحسب انكشافها وحضورها عند البارئ الأوّل ـ تعالى ذكره ـ لم يسارع إلى أن يتحدّس أنّ المثل الأفلاطونيّة هى الّتي نحن سمّيناها المثل العينيّة والصّور الذّهنيّة ؛ بل كان أشدّ المعاندين لأفلاطن فى أمر المثل ، وألدّ الخصام.
وجملة ما اتّكل عليه فى إلهيات الشفاء أنّه به أفسد على أفلاطن مقالته فى المثل الّتي لا تدثر والصّور الّتي لا تتغيّر ، يدور على ظنه بأفلاطن أنّه يضع أنّ تلك المثل والصّور ليست بمادّيّة على معنى أنّها من مفارقات المادّة ، فشنّع عليه أنّه كيف يكون للمادّيّات نحو وجود فى الأعيان تكون هى بحسبه غير قائمة بالمادّة ، بل مفارقة إيّاها.
ونحن قد نبّهناك على أنّه ينبغى أن يعنى بذلك سبق سلب المادّة ونفي خواصّ المادّيّات من الدّثور والتّغيّر والتّأخّر فى الحصول عن حصول المادّة على ما كرّره هو ، إذ قد رام أنّ يحقّق بيان علم الأوّل الحقّ ـ تعالى ـ فى أكثر كتبه ، ولا سيّما الشفاء والتعليقات ؛ ولا يصحّ أن يعنى به إثبات التّجرّد عن المادّة وسلب القيام بها. فإذن ، قد انفصم ما استمسك فى التّشنيع.
وبالجملة ، إنّ الأفلاطونيّين والأرسطاطاليسيّين لو وكدوا وكد الحقّ وتحرّوا سبيل الإنصاف لاستقامت امورهم بما قدّمناه واستنامت قلوبهم إلى ما ألممناه ، فكان الأمر قد أوفيناه حقّه ، والمصير إلى اللّه ، والحمد للّه ربّ العالمين.
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
