فإنّه عظيم النّفع وعليه المعوّل فى جميع ذلك ، وفى إهماله شديد الضّرر ؛ وأن يعلم أنّ الضّرورة تدعو إلى إطلاق الألفاظ الطبيعيّة والمنطقيّة المتواطية على تلك المعانى اللّطيفة الشّريفة العالية عن جميع الأوصاف المتبانية عن جميع الامور الكيانيّة الموجودة بالوجود الطبيعىّ ؛ فإنّه إن قصد إلى اختراع ألفاظ اخر واستيناف وضع لغات سوى ما هى مستعملة لما كان يوجد السّبيل إلى ألفاظ يتصوّر منها غير ما باشرته الحواسّ.
فلمّا كانت الضّرورة تمنع وتحول بيننا وبين ذلك اقتصرنا على ما يوجد من الألفاظ وأوجبنا على أنفسنا الإخطار بالبال أنّ المعانى الإلهيّة الّتي عنها يعبّر بهذه الألفاظ هى بنوع أشرف وأعلى غير ما نتخيّله ونتصوّره.
هذا ما قاله معلّم أتباع أرسطاطاليس من الإسلاميّين ، أبو نصر الفارابىّ. وإنّما التزمنا إيراده بألفاظه ، لما كان يتضمّن من جزيل النّفع وجليل الجدوى. فهذا الرّجل المبرّز قد أوفى النّظر حقّه ولم يخلّ بما كان يجب عليه من الاجتهاد إلاّ أنّ فيما لم نورده من ألفاظه ما يوهم أنّه يظنّ : أنّ للموجودات صورا وآثارا فى ذات البارى الأوّل على سبيل التّمثّل فيه ـ تعالى عن ذلك غلوّا كبيرا ـ وإنّما ذلك شأن الأذهان المعلوليّة الممكنيّة.
ولا ينبغى أن يتوّهم متوهّم أنّه قد نحى نحو ما ينساق إليه ظاهر اللّفظ ؛ فإنّه إنّما رام بذلك أنّ الموجودات بحسب كونها فى وعاء الدّهر غير عازبة عن بصره ـ تعالى ـ ولا داثرة ولا متغيّرة فى ذلك الوعاء أصلا ، كالصّور المتمثّلة فى ذات الجوهر العاقل. فنسبة المثل العينيّة والصّور الدّهريّة إلى ربّ الزّمان والدّهر نسبة الصّور المرتسمة فى ذوات الجواهر العقليّة من المفارقات المحضة إليها ، وأمرها كأمرها فى عدم الدّثور والتّغيّر هناك. فلذلك أطلق عليها أنّها متمثّلة فى ذات البارى الأوّل ، تعالى ، ولم يرم ما لم يؤذن به الظاهر وإن لم يكن يتهيّأ له أن يكشف باطن المسألة حقّ الكشف وينقّح القول فيها كنه التّنقيح.
فحاله أرفع من أن يساء به الظنّ إساءة إلى تلك الغاية ، ولغة العقل أجلّ من أن
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
