الصّور فى ذلك الافق لا فى المعيّة الدّهريّة ؛ إذ لا تصادم بينها بحسب وعاء الدّهر. وسيعاد عليك ذكر القضاء والقدر بمترقب القول فى «الرّبوبيّات» إن شاء اللّه تعالى.
فالآن ، قد أسمعناك معانى اللّفظين ، وأنّ القضاء علميّ وعينيّ. فهو على ضربين مختلفين ؛ وكما يصحّ أن يعنى به ظهور بالعلم ويتمثّل فى العالم العقلىّ ، فكذلك يصحّ أن يعنى به وجود فى الأعيان. وعلّمناك أنّه يمتنع اللاّنهاية بالفعل فى القدر ، لا فى القضاء.
فربّ القضاء والقدر وراء ما لا يتناهى بما لا يتناهى ، ولا يضيق عن الإحاطة بجملة ما لا نهاية له ، مجملة ومفصّلة. وهو واسع عليم ، وأنّ ما يوجد فى الزّمان فى وعاء الدّهر ويتمّ وجوده التّدريجىّ بالفعل فى افق التّغيّر ويبقى تحققه بتمامه فى وعاء الدّهر بقاء دهريّا ، لا زمانيّا ؛ فإنّه يجب أن يكون متناهى الكميّة ، سواء كان فى الآزال أو فى الآباد ، وأنّ المادّيّات ليست فى القضاء ، أعنى بحسب الوجود العينىّ فى وعاء الدّهر والحضور الوجودىّ عند ربّ القضاء والقدر ، متأخّرة عن حصول موادّها ، بل هى وموادّها بحسب ذلك فى درجة واحدة.
فلو سمعتنا نقول : إنّ المادّيات إنّما هى مادّيّة فى القدر وفى افق الزّمان ، لا فى القضاء الوجودىّ فى وعاء الدّهر وفى الحصول الحضورىّ عند العليم الحقّ ؛ فافقه : أنّا نعنى بذلك سلب سبق المادّة فى ذلك النّحو من الوجود ، لا مفارقة المادّة والانسلاخ عنها هناك حتى يصير المادّىّ مجرّدا باعتبار آخر.
وأحقّ ما تسمّى به الموجودات الزّمانيّة بحسب وقوعها فى القضاء العينىّ ، أى : تحقّقها فى وعاء الدّهر المثل الغيبيّة أو القضائيّة والصّور الوجوديّة أو الدّهريّة ، وبحسب وقوعها فى القدر ، أى : حصولها فى افق الزّمان والأعيان. والكونيّة ، أى : الكائنات القدريّة. فهذا سرّ مرموز كلمتنا ، ونحن ـ زمرة الحكماء ومعشر أهل التّحصيل ـ لا نروم بكلماتنا إلاّ إيّاه.
وإنّى لست أظنّ بإمام اليونانيّين ، أفلاطن الإلهيّ أنّه قد كان يقصد فى أمر الصّور والمثل المعلّقة ، لا فى مادّة غير هذا السّرّ ، إلاّ أنّ أتباع معلّم المشّائيّة أساءوا
![مصنّفات ميرداماد [ ج ٢ ] مصنّفات ميرداماد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4206_mosannafat-mirdamad-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
