ومنها ما هو فى أحكام الجوارح ؛ ومنها ما يتقدّم ، ومنها ما يتأخّر ويكون ناسخا له ـ وكان النبى ـ صلىاللهعليهوسلم ـ يبيّن المجمل ، ويميّز الناسخ من المنسوخ ، ويعرّفه أصحابه فعرفوه ، وعرفوا سبب نزول الآيات ، ومقتضى الحال منها منقولا عنه.
ونقل ذلك عن الصّحابة ـ رضوان الله عليهم أجمعين ـ وتداول ذلك التابعون من بعدهم ، ونقل ذلك عنهم ؛ ولم يزل ذلك متناقلا بين الصّدر الأوّل والسّلف ، حتّى صارت المعارف علوما ، ودوّنت الكتب ونقلت الآثار فيه عن الصّحابة والتابعين ، وانتهى ذلك إلى الطبرىّ والواقدىّ والثعلبى ، وأمثال هؤلاء من المفسّرين ، فكتبوا فيه ما شاء الله أن يكتبوه من الآثار .. ثم صار التفسير على صنفين : صنف نقلىّ ـ مسند إلى الآثار المنقولة عن السلف ؛ وهى معرفة الناسخ والمنسوخ ، وأسباب النّزول ، ومقاصد الآى ، وكلّ ذلك لا يعرف إلّا بالنّقل عن الصّحابة والتابعين.
والصّنف الآخر من التفسير وهو : ما يرجع إلى اللّسان فى معرفة اللّغة والإعراب ، والبلاغة فى تأدية المعنى بحسب المقاصد والأساليب ؛ وهذا الصّنف من التفسير قلّ أن ينفرد عن الأوّل ؛ إذ الأوّل (أى التفسير النقلى) هو المقصود بالذّات ، بعد أن صار اللسان وعلومه صناعة ... ومن أحسن ما اشتمل عليه هذا الفنّ من التفاسير كتاب الكشّاف للزمخشرىّ من أهل خوارزم العراق» (١).
والمهتمون بالدّراسات الإسلاميّة يلاحظون فعلا مدى تباين هدف العلماء من تفسير القرآن الكريم ؛ فبعضهم يعظم اهتمامه بالناحية اللّغويّة ؛ وبعضهم تشتدّ عنايته بالأحكام الشّرعيّة ؛ وفريق ثالث يميل إلى جمع الأقوال حسبما يتيسّر له من طرق الإسناد ، وهذا المنهج يعرف باسم التفسير بالمأثور.
بينما نرى جماعة من العلماء يهتمّون بالألفاظ القرآنيّة الغريبة التى وردت فى القرآن الكريم ويندر استعمالها بين المتحدّثين بلغة الضّاد.
__________________
(١) انظر (مقدمة ابن خلدون ٥٥٣ ـ ٥٥٤).
