والقرآن الكريم يلقى أضواء على حياة الإنسان فى مختلف جوانبها ، وينظّم العلاقات العامّة والخاصّة بين الأفراد والجماعات ، وبين الناس وخالق النّاس ؛ فكان لهذا كلّه موضع عناية المسلمين منذ نزل على قلب النّبىّ الأمين ـ بالحفظ والإتقان ، والتدبّر والتعقّل ؛ فحفظه من الصّحابة فى عهد الرّسول الكريم جماعة ؛ فنقشوه على الحجارة ، وكتبوه على الجلود واللّخاف والعسب (١) ، وعارضه جبريل مع النّبىّ ـ صلىاللهعليهوسلم ـ مرّتين فى السّنة الأخيرة قبل أن يلحق بالرّفيق الأعلى ، وجمعه الصّحابة فى عهد أبى بكر الصّدّيق ، وكتبوه فى عصر عثمان بخطّ يعرف لدى المسلمين بخطّ المصحف العثمانىّ ـ وكان على رأس الحفّاظ الخلفاء الأربعة ؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلىّ ـ رضى الله عنهم ـ وكان من أقرأ الصّحابة للقرآن الكريم بعد الرّسول ـ صلىاللهعليهوسلم ـ زيد بن ثابت. وكان عبد الله بن مسعود حبر الأمّة وعالمها يلقّب بترجمان القرآن.
ومع ما كان عليه هؤلاء الصّحابة من الحفظ والإتقان ، وما كانوا يتمتّعون به من بصيرة نافذة فى إدراك معانيه ، وفهم أساليبه ـ كانوا شديدى التّحرّز من الإسراع بالفتوى ، أو تفسير شىء من القرآن الكريم.
فهذا عمر بن الخطّاب ـ رضى الله عنه ـ حينما قرأ قوله تعالى : (وَفاكِهَةً وَأَبًّا)(٢) على المنبر ، قال : هذه الفاكهة قد عرفناها .. فما الأبّ؟
بل إنّ عبد الله بن عبّاس ـ الذى لا يكاد يخلو مصنّف من كتب الأمّهات والموسوعات فى تفسير القرآن الكريم من فيض علمه ـ يقول : كنت لا أدرى ما (فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ)(٣) حتّى أتانى أعرابيّان يختصمان فى بئر ، فقال أحدهما : «أنا فطرتها». ـ فعلمها عبد الله بن عباس.
__________________
(١) اللخاف : حجارة بيض عريضة رقاق ، واحدتها : لخفة. والعسيب : جريد النخل إذا نحّى عنه خوصه : (اللسان ـ مادة : لخف ، عسب).
(٢) سورة عبس / ٣١.
(٣) سورة الأنعام / ١٤.
