يطيقونه فأفطروا فدية طعام.
و «الفدية» : البدل ـ وقد مرّ ذكره (١). وأضيفت الفدية إلى الطّعام ، لأنّها اسم للقدر الواجب. و «الطّعام» : اسم يعمّ الفدية وغيرها ، فهذا كقولك : «ثوب خزّ» و «خاتم حديد» (٢). وجمعوا «المساكين». لأنّ الّذين يطيقونه فأفطروا جماعة ، وكلّ واحد منهم يلزمه طعام مسكين.
وقرأ الباقون : فدية منونة طعام مسكين على واحد (٣) ، جعلوا ما بعد الفدية تفسيرا لها ، ووحّدوا «المسكين» (٤) لأنّ المعنى : على كلّ واحد لكلّ يوم طعام مسكين (٥).
ومثل هذا قوله تعالى : (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً)(٦) ، وليس جميع القاذفين يفرّق فيهم جلد ثمانين ، إنّما على كلّ واحد منهم ذلك.
وقال أبو زيد : يقال : أتينا الأمير (٧) فكسانا كلّنا حلّة ، وأعطانا كلّنا مائة ، معناه : كسا (٨) كلّ واحد منّا حلّة ، وأعطى كلّ واحد منّا مائة. فأمّا حكم الآية : فقال ابن عباس والمفسّرون : كان فى ابتداء إيجاب الصّوم من شاء صام ، ومن شاء أفطر ، وافتدى بالطّعام ؛ وهو مدّ واحد ، ثم نسخ (٩) الله تعالى ذلك (١٠) بقوله : (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)(١١).
__________________
(١) انظر معنى ذلك فيما سبق عند تفسير الآية ٨٥ من سورة البقرة صفحة (١٤٥ ، ١٤٦) وفى (الفخر الرازى ٢ : ١٢٥ ـ ١٢٦) «.. هى عبارة عن البدل القائم على الشىء ؛ وعند أبى حنيفة : أنه نصف صاع من بر ، أو صاع من غيره ؛ وهو مدان. وعند الشافعى مد».
(٢) فهذه الإضافة من الإضافة التى تكون بمعنى «من» .. والمعنى : ثوب من خز ، وخاتم من حديد ، فكذا هاهنا التقدير ؛ فدية من طعام ..» كما قال الواحدى. انظر (الفخر الرازى ٢ : ١٢٥).
(٣) كما قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائى ، وكذا يعقوب وخلف ، وافقهم ابن محيص واليزيدى ؛ على ما فى (إتحاف البشر ١٥٤) و (تفسير القرطبى ٢ : ٢٨٧) و (البحر المحيط ٢ : ٣٧) و (الفخر الرازى ٢ : ١٢٥)
(٤) أ : «ووحد المساكين». انظر قول الواحدى فى (تفسير الفخر الرازى ٢ : ١٢٥).
(٥) أ : «إطعام ...».
(٦) سورة النور : ٤.
(٧) أ : «أتينا إلى عمر».
(٨) أ : «كسانا».
(٩) أ : «فنسخ الله».
(١٠) وهو قوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ ..) إلى آخره. انظر (تفسير الطبرى ٣ : ٣٣٤) و (الناسخ والمنسوخ للنحاس ٢١). و (تفسير ابن كثير ١ : ٣٠٨) و (الدر المنثور ١ : ١٥٩).
(١١) سورة البقرة : ١٨٥.
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
