وقال الزّجاج : معنى (سفه نفسه) «أى» (١) : جهل نفسه ؛ فوضع «سفه» (٢) موضع جهل. (٣) وبهذا قال ابن كيسان ، فقال (٤) : لأنّ من عبد حجرا أو قمرا ، أو شمسا أو صنما ؛ فقد جهل نفسه ؛ لأنّه لم يعلم خالقها ، ولم يعلم ما يحقّ لله عليه.
والعرب تضع «سفه» (٥) فى موضع جهل ؛ ومنه الحديث : «الكبر أن تسفه الحقّ وتغمص النّاس» (٦) ؛ أى : تجهل الحقّ.
ويؤيّد هذا القول ما روى فى الحديث : «من عرف نفسه فقد عرف ربّه» (٧). فقيل فى معناه : إنّما يقع النّاس فى البدع والضّلالات ، لجهلهم أنفسهم ، وظنّهم أنّهم يملكون الضرّ ، والنّفع دون الله عزوجل.
وحكى عن أبى بكر الورّاق : أنّه قال فى معنى هذا الحديث : من عرف نفسه مخلوقة مرزوقة بلا حول ولا قوّة ، عرف ربّه خالقا رازقا (٨) بالحول والقوّة.
وقد أوحى الله تعالى إلى داود ـ عليهالسلام ـ «كيف عرفتنى؟ وكيف عرفت نفسك؟ فقال : عرفتك بالقدرة والقوّة والبقاء ، وعرفت نفسى بالضّعف (٩) والعجز والفناء ؛ فقال : الآن عرفتنى».
فإذا كان من عرف نفسه عرف ربّه ، كان من جهل نفسه جهل ربّه ، حتى يرغب عن ملّة إبراهيم.
قال قتادة : رغبت عن ملّة إبراهيم (١٠) اليهود والنّصارى ، واتّخذوا اليهوديّة والنّصرانيّة دينا ، بدعة ليست من الله ، وتركوا ملّة إبراهيم (١١).
__________________
(١) الزيادة عن أ.
(٢) ب : «سفه نفسه».
(٣) هذا المعنى نقله ابن منظور عن الزجاج ـ بنحوه ـ فى (اللسان ـ مادة : سفه).
(٤) ب : «قال».
(٥) أ ، ب : «سفه موضع». انظر (اللسان ـ مادة : سفه).
(٦) هذا الحديث رواه أبو داود والحاكم عن أبى هريرة ، بألفاظ مختلفة ، (مختصر شرح الجامع للصغير ٢ : ١٦٤) وفى (اللسان ـ مادة : غمص) : غمصه يغمصه غمصا .. واغتمصه : حقره واستصغره ، ولم يره شيئا.
(٧) أ : «نفسه عرف ربه».
(٨) ب : «ورازقا».
(٩) أ : «بالعجز والضعف».
(١٠) أ ، ب : «عن ملته اليهود».
(١١) كما فى (تفسير الطبرى ٣ : ١٠٣ ـ ١٠٤) و (تفسير ابن كثير ١ : ٢٦٩).
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
