ولا يكون تعليم السّحر ـ إذا كان إعلاما ـ كفرا ، ولا تعلّمه ـ إذا كان على معنى الوقوف به عليه ليجتنبه ـ كفرا ؛ كما أنّ من عرف الزّنى لم يأثم ، إنّما ياثم بالعمل.
الوجه الثّانى : أنّ الله تعالى امتحن النّاس بالملكين فى ذلك الوقت ، وجعل المحنة فى الكفر والإيمان أن يقبل القابل تعلّم السّحر ، فيكفر بتعلّمه (١) ، ويؤمن بترك التعلّم ، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما يشاء ، كما امتحن بنهر طالوت فى قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ)(٢).
يدلّ على صحّة هذا (٣) قوله [حتى يقولا](إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أى : محنة من الله نخبرك أنّ عمل السّحر كفر بالله ، وننهاك عنه ، فإن أطعتنا فى ترك العمل بالسّحر نجوت ، وإن عصيتنا فى ذلك هلكت.
ومعنى : (مِنْ أَحَدٍ :) أحدا ، «ومن» زائدة مؤكّدة ، (٤) كقولك : ما جاءنى من أحد.
ومعنى «الفتنة» : الابتلاء والامتحان ؛ مأخوذ من قولهم : «فتنت الذّهب والفضّة» : إذا أذبتهما بالنّار ، ليتميّز الردىء من الجيّد ؛ ومن هذا قوله تعالى : (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ)(٥) قيل فى التّفسير : وهم لا يبتلون (٦) فى أنفسهم وأموالهم ، (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ)(٥) ، أى : اختبرنا. ويقال : «فتنه وأفتنه» ، و «الفتنة» مصدر ، لذلك (٧) لم يثنّ (٨).
وقوله تعالى (٩) : (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)
__________________
(١) حاشية ج : «إذا كان معتقدا أنه حق».
(٢) سورة البقرة : ٢٥٩.
(٣) ب : «يدل هذا حجة هذا» وهى غير مستقيمة.
(٤) على ما فى (تفسير البحر المحيط ١ : ٣٣٠) و (تفسير القرطبى ٢ : ٥٤) «والتقدير : وما يعلمان أحدا».
(٥) سورة العنكبوت : ٢ ، ٣.
(٦) على ما فى (مجاز القرآن لأبى عبيدة ٢ : ١١٣) و (اللسان ـ مادة : فتن) و (تفسير الطبرى ٢٠ : ١٣٠) وفى (تفسير غريب القرآن لابن قتيبة ٣٣٧). «لا يقتلون ولا يعذبون».
(٧) أى فى قوله تعالى : (إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ).
(٨) حاشية ج : «يعنى : وحد الفتنة والحال أن الملك اثنان ؛ لأن الفتنة مصدر ، والمصادر لا تثنى ولا تجمع».
(٩) ب : «ومعنى قوله».
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
