قال السدّى : إن الناس فى زمن سليمان اكتتبوا السّحر ، واشتغلوا بتعلّمه ، فأخذ سليمان تلك الكتب ، وجعلها فى صندوق ، ودفنها تحت كرسيّه ، ونهاهم (١) عن ذلك. فلمّا مات سليمان ـ عليهالسلام ـ ، وذهب الذين (٢) كانوا يعرفون دفنه الكتب ، تمثّل شيطان على صورة إنسان ، فأتى نفرا من بنى إسرائيل ، فقال : هل أدلّكم على كنز لا تأكلونه أبدا (٣)؟ قالوا (٤) : نعم. قال : فاحفروا (٥) تحت الكرسىّ ، فحفروا فوجدوا تلك الكتب ، فلمّا أخرجوها ، قال الشّيطان : إنّ سليمان كان يضبط الجنّ والإنس والشّياطين والطّير بهذا ، فاتّخذ (٦) بنو إسرائيل تلك الكتب ، فلذلك أكثر ما يوجد السّحر فى اليهود ، وبرّأ الله ـ عزوجل ـ سليمان من ذلك ؛ وأنزل هذه الآية.
قوله : (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) أى : لم يكن كافرا ساحرا يسحر ويعمل بالسّحر (٧) ، (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا) بالله تعالى.
وفى «ولكنّ» قراءتان : التّشديد ، ونصب الاسم به ، والتّخفيف ورفع الاسم به (٨). وهذا الحرف إذا استعمل مثقّلا كان عاملا فى الاسم ، وعمله النّصب ؛ وإذا استعمل مخفّفا لم يعمل النّصب ، «وكان حرف عطف» (٩).
وقوله تعالى : (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) يعنى : الشّياطين إذا حدّثوا بالسّحر ، وتكلّموا به ، وألقوه فيما بين النّاس. ويجوز أن يكون (يُعَلِّمُونَ) : من فعل اليهود الذين عنوا بقوله : (وَاتَّبَعُوا).
__________________
(١) ب : «ونهى عن ذلك».
(٢) ب : «الذين هم كانوا».
(٣) حاشية ج : «أى : لا ينفد أبدا».
(٤) أ ، ب «فقالوا».
(٥) أ ، ب : «احفروا».
(٦) ب : «بهذه فاتخذوا».
(٧) قال القرطبى : «ولم يتقدم فى الآية أن أحدا نسبه إلى الكفر ، ولكن اليهود نسبته إلى السحر ، ولكن لما كان السحر كفرا صار بمنزلة من نسبه إلى الكفر» (تفسير القرطبى ٢ : ٤٣).
(٨) هذه قراءة ابن عامر وحمزة والكسائى وكذا خلف .. وافقهم الأعمش ؛ وقرأ الباقون بالتشديد ونصب ما بعدها بها. (إتحاف البشر ١٤٤) و (تفسير البحر المحيط ١ : ٣٢٦ ـ ٣٢٧) و (تفسير القرطبى ٢ : ٤٣) و (الفخر الرازى ١ : ٤٥٠).
(٩) الإثبات عن ب. انظر (البحر المحيط ١ : ٣٢٧) و (الفخر الرازى ١ : ٤٥٠) «قال الكسائى : المختار عند العرب تشديد النون إذا اقترنت بالواو ، وتخفيفها إذا لم تقترون بها ؛ وعلى هذا جاء أكثر القرآن العزيز» (البرهان للزركشى ٤ : ٣٩٠).
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
