ثم فضّل الحجارة على القلب القاسى فقال :
(وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ)
الكناية فى «منه» عائدة على «ما» كأنّه قيل : وإنّ من الحجارة للّذى يتفجّر منه الأنهار ، يعنى : من الحجارة ما يسيل منها أنهار من ماء. (وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ) أى : يتشقّق ، ـ فأدغمت التاء فى الشين ـ ([فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ] وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ)(١) أى : ينزل ويسقط من رأس الجبل إلى أسفله (مِنْ خَشْيَةِ اللهِ).
قال مجاهد : كلّ حجر تفجّر منه الماء ، أو تشقّق عن ماء ، أو تردّى من رأس جبل ، فهو من خشية الله نزل به القرآن (٢).
ومعنى الآية : إنّ الحجارة قد تصير إلى هذه الأحوال التى ذكرها من خشية الله ؛ وقلوب اليهود لا تخشع ولا تخشى الله ولا تلين ، لأنّهم عارفون بصدق محمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ ، وبأنّ من كذّبه كانت النّار عاقبته ، ثم لا يؤمنون به ، فقلوبهم أقسى من الحجارة.
ثم أوعدهم على ترك الإيمان بمحمد ـ صلىاللهعليهوسلم ـ فقال : (وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)
أى : أنّه يجازيكم (٣) على ذلك.
ثم خاطب النّبىّ ـ صلىاللهعليهوسلم ـ والمؤمنين فقال :
__________________
(١) حاشية ج : «اللام فى «لَما يَتَفَجَّرُ» و «لَما يَشَّقَّقُ» و «لَما يَهْبِطُ» توكيد ، ومحل «ما» نصب اسم إن فى جميع الصور الثلاثة ؛ والظرف الذى هو مقدم على اسمها خبر إن».
(٢) حاشية ج : «فإن قيل الحجر الجماد لا يفهم شيئا فكيف يخشى؟ قلنا : الله تعالى يفهمه ويلهمه فيخشى بإلهامه. ومذهب أهل السنة : أن لله تعالى علما فى الجمادات وسائر الحيوانات سوى العقلاء لا يقف عليه غيره ، فلها صلاة وتسبيح وخشية ، كما قال جل ذكره : (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ)[سورة الإسراء : ٤٤] ، وقال : (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ)[سورة الحج : ١٨] ، وأمثال هذه كثيرة فيجب الإيمان به».
(٣) أ ، ب : «أنه مجازيكم»
![الوسيط في تفسير القرآن المجيد [ ج ١ ] الوسيط في تفسير القرآن المجيد](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4186_alwasit-fi-tafsir-alquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
