فهذه كلها أقسام الكون. وما من العدم لهم صار إلى العدم. القائم عنهم غيرهم ، والكائن عنهم سواهم. وجلّت الأحدية وعزّت الصمدية ، وتقدّست الديمومية ، وتنزهت الإلهية.
قوله جل ذكره : (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦) رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ)
المساجد بيوته ـ سبحانه ـ وإنّ الله أذن أن ترفع الحوائج فيها إليه فيقضيها ، ورفع أقدار تلك البيوت على غيرها من الأبنية والآثار. المساجد بيوت العبادة والقلوب بيوت الإرادة ؛ فالعابد يصل بعبادته إلى ثواب الله ، والقاصد يصل بإرادته إلى الله.
ويقال القلوب بيوت المعرفة ، والأرواح مشاهد المحبة ، والأسرار محالّ المشاهدة.
قوله : (يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ ...) لم يقل : لا يتجرون ولا يشترون ولا يبيعون ، بل قال : لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ، فإن أمكن الجمع بينهما فلا بأس ـ ولكنه كالمتعذر ـ إلّا على الأكابر الذين تجرى عليهم الأمور وهم عنها مأخوذون (١).
ويقال هم الذين يؤثرون حقوق الحقّ على حظوظ النّفس.
ويقال إذا سمعوا صوت المؤذن : حىّ على الصلاة تركوا ما هم فيه من التجارة والبيع ، وقاموا لأداء حقه.
ويقال هم الخواص والأكابر الذين لا يشغلهم قوله : (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ) عن التحقق يذكره من غير ملاحظة عوض أو مطالعة سبب.
قوله جل ذكره : (يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ)
__________________
(١) هذا رأى حاسم فى مدى وجوب السعى من أجل الرزق على طوائف أرباب الأحوال وتقدير لموقف من يعجزون عن ذلك.
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
