ويقال الفرق بين من قام بالعلم وبين من قام بالحق أنّ العلماء يعرفون الشيء أولا ثم يعلمون بعلمهم ، وأصحاب الحقّ يجرى عليهم بحكم التصريف شىء لا علم لهم به على التفصيل ، وبعد ذلك يكشف لهم وجهه ، وربما يجرى على ألسنتهم شىء لا يدرون وجهه ، ثم بعد فراغهم من النطق به يظهر لقلوبهم برهان ما قالوه ، ودليل ما نطقوا به من شواهد العلم (١).
قوله : (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ ...) هذه أمانة الحق ـ سبحانه ـ عند العبد ، وقد تقدم فى بابها بما أوضحته ببراهين الشريعة.
ومن استعمل هذه الجوارح فى الطاعات ، وصانها عن استعمالها فى المخالفات فقد سلّم الأمانة على وصف السلامة ، واستحق المدح والكرامة. ومن دنّسها بالمخالفات فقد ظهرت عليه الخيانة ، واستوجب الملامة.
قوله جل ذكره : (وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولاً (٣٧))
الخيلاء والتجبّر ، والمدح والتكبّر ـ كل ذلك نتائج الغيبة عن الذكر ، والحجبة عن شهود الحقّ ؛ فإنّ الله إذا تجلّى لشىء خشع له ـ بذلك ورد الخبر. فأمّا فى حال حضور القلب واستيلاء الذكر وسلطان الشهود. فالقلب مطرق ، وحكم الهيبة غالب. ونعت المدح وصفة الزّهو وأسباب التفرقة ـ كل ذلك ساقط.
والناس ـ فى الخلاص من صفة التكبر ـ أصناف : فأصحاب الاعتبار إذ عرفوا أنهم مخلوقون من نطفة أمشاج ، وما تحمله أبدانهم مما يترشح من مسامهم من بقايا طعامهم وشرابهم .. تعلو هممهم عن التضييق والتدنيق (٢) ، ويبعد عن قلوبهم قيام أخطار للأشياء ، ولا يخطر على داخلهم إلا ما يزيل عنهم التكبر ، وينزع عنهم لباس التجبّر.
__________________
(١) من هذه الوصية وما جاء بعدها يتضح رأى القشيري فى التفرقة بين المعرفة عند أرباب العلوم والمعرفة عند أرباب الحقائق ، ويذهب القشيري فى «رسالته» إلى أن باستطاعة كبار شيوخ أهل هذه الطريقة أن يفتوا في مسائل الفقه إفتاء يعتدّ به حتى لو كان أحدهم أميا (أنظر الرسالة ص ١٩٨ وقصة شيبان الراعي مع الشافعي وابن حنبل).
(٢) دنّق البخيل بالغ فى التضييق فى النفقة
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
