من رضى بالحظ الخسيس من عاجل الدنيا بقي عن نفيس الآخرة ، ثم لا يحظى إلا بقدر ما اشتمّه ، ثم يكون آنس ما به قلبا وأشدّ ما يكون به سكونا .. ثم يختطف عن نعمته ، ولا يخصه بشىء مما جمع من كرائمه ، ويمنعه من قربه فى الآخرة .. ولقد قيل :
|
يا غافلا عن سماع الصوت |
|
إن لم تبادر فهو الفوت |
|
من لم تزل نعمته عاجلا |
|
أزاله عن نعمته الموت |
قوله جل ذكره : (وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً (١٩))
علامة من أراد الآخرة ـ على الحقيقة ـ أن يسعى لها سعيها ؛ فإرادة الآخرة إذا تجرّدت عن العمل لها كانت مجرد إرادة ، ولا يكون السعى مشكورا. قوله : (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) : أي فى المآل كما أنه مؤمن فى الحال. ويقال وهو مؤمن أنّ نجاته بفضله لا بسببه.
(فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً) أي مقبولا ، ومع القبول يكون التضعيف والتكثير ؛ فكما أن الصدقة يربيها كذلك طاعة العبد يكثّرها وينّميها.
قوله جل ذكره : (كُلاًّ نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً (٢٠))
يجازى كلا بقدرة ؛ فلقوم نحاة ولقوم درجات ، ولقوم سلامة ولقوم كرامة ، ولقوم مثوبته ، ولقوم قربته.
قوله جل ذكره (انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً (٢١))
التفضيل على أقسام ، فالعبّاد فضّل بعضهم على بعض ولكن فى زكاء أعمالهم ، والعارفون فضّل بعضهم على بعض ولكن فى صفاء أحوالهم ، وزكاء الأعمال بالإخلاص ، وصفاء الأحوال
![لطائف الإشارات [ ج ٢ ] لطائف الإشارات](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4180_lataif-alisharat-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
