الاختصاص لا يعني اختصاص الرسالة بهم ، كما سوف نذكره في المرحلة الثالثة ، وإنّما كان يعني : أنّ عيسى عليهالسلام كان يعمل على إيجاد قاعدة في هذه المرحلة تنطلق منها الرسالة الإلهيّة إلى الناس جميعا ، كما هو الشأن فيما صنعه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والقرآن الكريم في مخاطبة أهل المدينة والعرب الجاهليين ، ومواكبة حركتهم وأوضاعهم السياسية والاجتماعية ؛ لغرض إيجاد هذه القاعدة على ما أوضحناه في كتاب (الهدف من نزول القرآن).
الثالثة : أنّنا ذكرنا أنّ هذه المرحلة تميّزت بنزول الإنجيل فيها ، والقرآن الكريم لم يحدّد الوقت لنزول الإنجيل ، ويمكن أن نفترض نزوله في المرحلة الآتية ، ولكن تسلسل عرض القرآن الكريم للنعم الإلهية التي تفضل الله بها على عيسى عليهالسلام ـ (إِذْ قالَ اللهُ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيها فَتَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)(١) ـ قد يفهم منه التسلسل الزماني لها ، أو في الأقل أنّها كانت في مرحلة واحدة.
كما أن مقتضى هذه الرسالة أن تكون للناس جميعا ، وإنّ المكلف بإبلاغها لهم هو عيسى عليهالسلام ، فهذا يفرض أن يكون الإنجيل قد انزل في هذه المرحلة ؛ ليقوم عيسى عليهالسلام بإبلاغه للناس الذين كان يواجههم ويتحرك فيهم ، وهم جماعة بني إسرائيل.
__________________
(١) المائدة : ١١٠.
