سوداء تبتلع كل شيء ، وقيل إن المادة السوداء هي التي تحدد مصير العالم ، وإن النجوم لها أجل ، وإنها تحترق وتنطفئ ، وإن مادة كل نجم محترق تنهار وتعود جسيمات دقيقة غامضة مبعثرة في الفضاء ، فنحن إذن نعيش في فضاء مليء وبنجوم لها ولادة ونمو ونضج وموت.
وذكر في السورة أن الشمس ستكور ، أي ستلف ويذهب ضياؤها ، وهذه إشارة علمية في القرآن إلى أن للشمس أجلها أيضا متى استوفته توقف التفاعل النووي فيها وانطفأ ، وقيل في السورة إن النجوم انكدرت ، أي انقضت وهذا ما ذكرناه أن للنجوم آجالا أيضا ، أما الجبال التي سوف تسير ، أي ستفنى ، فلقد ذكرنا سابقا التركيب الذري للجبال وغيرها ، وثمت إشارة في الآية إلى أن الجبال المتماسكة بفعل الجاذبية حاليا ستنحل موادها بعد أن تكف الجاذبية عن فعلها ، فالإشارات إذن إلى يوم عظيم ، تنطفىء فيه الشمس والنجوم ، وتنفجر الأرض وتعود ذرات دقيقة مبعثرة في الفضاء كما كانت ، ولا يمكن تحديد ميقات ذلك اليوم ، فإن الحق سبحانه هو القائل : (وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [الحج : ٤٧] ، وفي ذلك العودة إلى الحديث عن الزمن الإلهي الذي هو أصل الزمان الوجودي ، والعلماء المحدثون يقولون إن للكون زمنا ، وهم متفقون على مبتداه ومنتهاه ، وتمضي السورة واصفة نتائج هذا الإنفجار الذري الذي سيقع في يوم آت ، منها مثلا إن العشار ستعطل ، والإشارة إلى النفس الحيوانية المرموز عليها بالعشار وهي النوق وقد عطلت ، أي تركت بلا حلب ، والمعنى أن النفس الحيوانية ستصبح عاطلة عن العمل ، ما دامت أرضها التي تفعل بها وفيها قد نسفت ، ولقد تحدثنا سابقا عن الصلة بين النفس الحيوانية والمادة ، وإنه لا يمكن أن توجد نفس حيوانية بلا مادة ، وهذه الصلة هي التي عبر عنها في الآية السابعة بتزاوج النفوس ، فإذا ذهبت المادة ذهبت النفس معها ، ثم إن الحق سبحانه ذكر أنه خلق الناس من نفس واحدة ، وجعل النفس وانشطارها وترددها بين السلب والإيجاب ، أي بين النقائض ، ورد ابن عربي نفس حواء إلى آدم ما دامت مخلوقة من ضلعه ، ورد آدم إلى النفس الواحدة المخلوق منها ، فجعل آدم وحواء ونسلهما من تلك النفس الواحدة التي هي هي قبل الانشطار وبعده ، وإلى هذه الحقيقة تتحدث الآية بأن مآل الانشطار والازدواجية الاتحاد ، فزواج النفس هنا عودتها إلى وحدتها الأولى ، كما يتحد الزوجان فيكونان وحدة ، وهذا المآل للنفس يكاشف به أصحاب القيامة الصغرى من الأنبياء والورثة ، كما يكاشف به الناس عامة في الساعة الكبرى ، فإذا الانشطار لعبة أسماء ، وإذا الازدواجية وحدة ، وإذا التناقض ذو مركز إشعاعي واحد شاء للنفس وللإنسان هذا التضاد لإخراج الذخائر النفسية من العلوم المكنونات ، والقسم بالخنس ، أي النجوم ، فهو قسم برب النجوم ، كما قال ابن عربي ، فكل قسم وارد في كتاب الله قسم به
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
