السموات السبع حتى بلغ النبي أفق الذات العظمى ، ولما كان الروح باطن الوجود كان ظهور الروح للنبي ظهورا من ذاته ، وكل ولي عارف صوفي مجتبى خوطب من ذاته ، وكلم كما كلم موسى من جانب الطور الأيمن الذي وصفه عليهالسلام فقال : (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) ، واليمن إشارة إلى اليمين في الصدر ، وعليه فما خرج على الروح شيء ، والكل به وبأمره كائنون ، وتحته مقهورون ، لأنه ليس في الوجودين العيني والعياني سوى هذا الوجود النوراني العظيم.
٣٦ ـ (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ (٣٦))
[النور : ٣٦]
البيوت القلوب ، وقد أذن الله أن ترفع ، أي أن تخلق ويذكر فيها اسمه ، والملاحظ أن فعل يرفع استعمل حين رفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت مما يدل على أن البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل والبيوت في هذه الآية هي جميعها بيت واحد هي قلب الإنسان ، حيث اصطفاها الله من بين جميع المخلوقات ليذكر فيها اسمه ، واسمه الاسم الجامع الذي تحدثنا عنه وممثله الإنسان الكامل آدم مثّل هذا الاسم الأنبياء ثم الأولياء العارفون ، وفي هؤلاء يظهر الله كما قيل إن الله ظهر في إبن عربي باعتباره الوجود المطلق ، وقال البسطامي : لو أن العرش وما حواه مائة ألف مرة في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحس به ، والله يذكر في كل قلب ، ولو لا ذكر الله في القلب ما كان القلب قلبا ، ولا كان من عرش الله .. لكن الله يذكر في كل قلب بقدر ، ولهذا جاء ذكر ليلة القدر التي يعرف الإنسان فيها قدره ، والاسم الواحد هو الذي يكون سبب الإلهام الإلهي وواسطته ، أو كما قال سبحانه (وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) ،) وهذا الاسم قد يكون من أسماء الجمال وقد يكون من أسماء الجلال ، ولهذا جاء في الآية نفسها أن الله ملهم النفس فجورها وتقواها ، ومن هذا المنظور الرؤيوي كان الله الآخذ كل دابة بناصيتها ، وتم قهره لعباده ، وإلا لما كان الله إلها في السموات والأرض.
٣٧ ، ٣٨ ـ (رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ (٣٧) لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٣٨))
[النور : ٣٧ ، ٣٨]
الرجال المذكورون الآحاد الكمّل الذين ذكرهم صلىاللهعليهوسلم قائلا : (إن الله ليبعث على رأس كل قرن من يجدد لهذه الأمة أمر دينها) ، فهؤلاء مصابيح الهدى تضيء الدروب في ظلمات الحياة الدنيا تهدي الناس سواء السبيل ، وتعلمهم دينهم ، وتذكرهم ربهم ، وأين ربهم ، وما يفعل
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
