١١ ـ (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١))
[الحديد : ١١]
القرض الحسن تحقيق الإنسان قصد الله ، وقصد الله فتق المعقولات ، ولهذا كنا تحدثنا عن أسماء الأفعال المتصرفة في الوجود ، ومنها البارئ والمصور ، فالمصور هو الذي أعطى المعقول حقه من عالم الإمكان ، فجعله في عالم العيان ، وفي قلب الإنسان ، ثم أوحى إلى الإنسان أن يفتق هذا البيان. فإذا كان الإنسان من أصحاب اليمين فتق المعقولات الشريفة بالمجاهدة ، وصبر وصابر حتى استوى الزرع ، وصار أكل المعقولات دانيا ، وعندئذ يجازي الله عبده بأن يجيئه إلى النخلة حاملة رطب المعقولات الشريفة الأولى الجامعة ، فالإنسان الذي يقرض الله قرضا حسنا يضاعفه الله له بأن يجعل المعقولات ذاتها في خدمته حورا عينا مقصورات في خيام العلم ، قاصرات الطرف على مولاها تعلمه عن طريق الصور في عالم الخيال ما لم يكن يعلم.
١٢ ـ (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢))
[الحديد : ١٢]
النور النور الشريف نفسه ، وقد كشف النقاب عن وجهه ، فإذا هو حقيقة الإنسان وعينه ، ولهذا جاء في الآية أن هذا النور هو نور الإنسان ذاته ، وهو يسعى بين أيدي المؤمنين وبأيمانهم ، أي يتبين للمكاشف أن هذا النور هو الأصل ، وهو الفرع أيضا ، وهو حقيقة عالم الروح ، وحقيقة عالم المادة ، وأنه لا شيء خارج هذا النور.
١٣ ـ (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣))
[الحديد : ١٣]
يقول جلال الدين الرومي المؤمن والكافر كلاهما ينطق باسم الله ، ولكن شقة شاسعة البعد تفصل بينهما ، والمعنى أن للنور الضياء والظلمة ، وأنه هو الضياء والظلمة ، وأنه تارة يكون ضياء ، وطورا يكون ظلمة ، وأنه بتردده بين البحرين يلتقي من ثم البحران ، فإذا الحقيقة بحر واحد لا غير.
والنور نور ، وإن بدا أحيانا نارا ، أو كما وصف في الآية بأنه العذاب ، فالرحمة لقصد ، والعذاب لقصد وكل ميسر لما خلق له ، وسور الحقيقة واحد وباطنه الرحمة ، ولهذا قالت الصوفية بعموم الرحمة ، وقال سبحانه : (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) [الأعراف : ١٥٦] ، وقال ابن عربي : سمي عذابا لأنه يعذب في حال ما عند قوم ما لمزاج يطلبه ، وقال الرومي : لما كان الكفار قد جاؤوا من جنس سجين فإن سجن الدنيا وافق هواهم.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
