عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦) آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ (٧) وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨))
[الحديد : ٤ ، ٨]
الأيام الستة أيام إلهية ، وسبق أن تحدثنا عن اليوم الإلهي الخارج عن نطاق الزمان العادي ، والذي هو أصل هذا الزمان ، ومنه كان ، فالستة عدد والعدد مضاعفات الواحد ، والواحد مرجعه إلى الأحد ، فالله خلق السموات والأرض في يوم إلهي غير محدود بالزمن اليومي ، ويجوز القول من ثم إن الله خلق السموات والأرض في يومين ، إذا كان اليوم الأول اليوم الإلهي ، واليوم الثاني اليوم الروحي المسمى في الفلسفة العقل الفعال ، والمسمى في الصوفية النور المحمدي ، كما يجوز القول إن الله خلق السموات والأرض في ثلاثة أيام ، باعتبار اليوم الثالث اليوم النفسي ، المسمى في كتاب الله اللوح المحفوظ ، وفي الفلسفة النفس الكلية ، ويجوز القول إن الله خلق السموات والأرض في أربعة أيام باعتبار اليوم الرابع بدء انتشار الأنوار الإلهية التي هي أصل الغبار السديمي الأول ، والتي كانت السبب في انفجار هذا السديم وتكثف الأجرام ، ويجوز القول : إن الله خلق السموات والأرض في خمسة أيام ، باعتبار اليوم الخامس بدء ظهور الحياة في بعض الكواكب ، ومنها الأرض ، وتقول علماء الفضاء إن في الإمكان وجود حياة في الكواكب الأخرى ، وهم يبثون موجات لا سلكية في الفضاء ذات لغة إشارية ، فلعل سكان بعض الكواكب الحية يلتقطون هذه الموجات ، ويفهمون الإشارات ، ويرسلون الجوابات ، أما اليوم السادس الأخير الذي حدده الله في الآية فهو ظهور هذا العالم المعمور ظاهرا وباطنا ، ولقد أثبت إينشتاين أن زمننا المعروف هذا نسبي ، وأن زمن الفضاء مختلف تماما عن زماننا الذي نحسبه بحساباتنا الخاصة ، ونقيسه بأجهزتنا الخاصة ، سبحانه هو مليك الزمان السرمدي الذي يمكن تسميته اللازمان ، والذي أشار إليه سبحانه في موضع آخر قائلا : (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) [المعارج : ٤] ، وهو يقول في هذه الآيات : (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ ،) وبالجمع بين الآيتين يتبين أن الله بعيد قريب ، بعيد لا بمعنى البعد المعروف ، بل بمعنى مباينة النور للمادة وبمعنى التنزيه المطلق ، وهو قريب لأنه هو أصل المادة وقوامها ، ولهذا قال سبحانه في موضع آخر : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة : ١١٥] ، فيا أيها الباحث عن الله ، إبحث عنه في نفسك تجده ، وهو القائل : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٢١)) [الذّاريات : ٢١].
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
