يفعل فيه ما يشاء ، والناس عنه غافلون ، ولأمره خاضعون ، قال سبحانه : (وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ) [الإسراء : ٦٤] ، وقال ابن عربي استفزز وأجلب فعل أمر ، أي أن الحق هو الذي أمر القرين بممارسة فعله إحداثا للتناقض وإخراجا للمكنونات.
والمؤمن يستغيث ربه من قرينه الذي يؤمن بوجوده وإن كان لا يراه ، ولهذا سمي القرين في الدرجات التي تقف عليها النفس النفس الأمارة ، والله يحمي عبده قرينه بنور الضمير الذي هو قرين آخر ولكنه صالح يأمر بالخير ، وهو من أشار إليه عليهالسلام قائلا : إلا أن الله أعانني عليه فأسلم أي أسلم القرين ... حتى إذا جاء صبح القرين وشعشع نوره في الأفق المبين طار اليقين ، وأسفر التضاد عن وجود الله في الضدين ، وهو إله الضدين ، وهو الذي أناط بالقرين تنفيذ هذه المهمة ليحوش عبده إليه ، فالأمر بين الهبوط وصعود ، ثم عروج إلى أعلى عليين حيث يقرب العبد من ربه ثم يفنى فيه ، فتعود النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية.
٩٩ ، ١٠٠ ـ (حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّها كَلِمَةٌ هُوَ قائِلُها وَمِنْ وَرائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٠٠))
[المؤمنون : ٩٩ ، ١٠٠]
تحدثت الآيتان عن ضحايا القرين الغافلين الجاهلين فهؤلاء مطايا للقرين وكلمتهم التي سبقت من الله هي التي كتبت عليهم هذا الضلال ولا خلاص ، وعند الموت ينكشف القرين فإذا هو صورة حاضرة لكنها مظلمة ، فيخافها العبد ، ويطلب اللجوء إلى الله ولات حين مناص.
١٠١ ـ (فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ (١٠١))
[المؤمنون : ١٠١]
الصور القرن ، وهو ما ينفخ فيه فيصدر صوتا ، والصوت موسيقى ، والموسيقى روح الكون ، فالصور هو الجمع الجامع للناس ولهذا جاء في الآية فلا أنساب بينهم يومئذ ، إذ معنى النسب أن ينتسب فلان إلى فلان ، وإلى عشيرة أو قبيلة ، والصور يطوي الإنسان لأن في جمعه فناء الأفراد وبالتالي الأنساب ، والعارفون متحققون بهذا في جمعهم العلمي وهذا ما يسمى في مصطلح الصوفية الفناء حيث لا يرى الصديق شيئا إلا رأى الله قبله ، وأنشد دعبل قائلا :
|
ما أكثر الناس لا بل ما أقلهم |
|
الله يعلم إني لم أقل فندا |
|
إني لأفتح عيني ثم أغمضها |
|
على كثير ولكن لا أرى أحدا |
١٠٢ ، ١٠٣ ـ (فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ فَأُولئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خالِدُونَ (١٠٣))
[المؤمنون : ١٠٢ ، ١٠٣]
ثقل الموازين رجحان كفة الصفات الحسنة ، وصاحبها قد أفلح لأنه دخل في نور الرحمة وبالتالي في الصلاح ، فهو من الصالحين المفلحين الذين أقاموا الصلاة فاتصلوا بالله.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
