قصور الأماني ليست في حقيقتها إلا سرابا بأرض بلقع يحسبه الإنسان ماء ، فإذا جاءه لم يجد شيئا ، وترى هم الناس محصورا في تحقيق الأرب ، ومع هذا فمنذا الذي رضي بما بلغه وحققه؟ فالأغنياء بحرصهم على المال هم أشد فقرا من الفقراء ما داموا إلى المال فقراء أبدا ، قال صلىاللهعليهوسلم : (لو أعطي ابن آدم وادين من ذهب لسأل إليهما واديا ثالثا) ، ولقد فطر الإنسان على التطلع إلى ما لا تطاله يداه ، وإلى الزهد في ما تملكه يداه ، فهو أيضا بين نارين ، نار تحقيق الأرب ، ونار التطلع إلى ما لم يحققه بعد ، ويعتاد الإنسان حياته ، ويستوي في هذا أصحاب الدور وأصحاب القصور ، وليس ثمة على الحقيقة من فارق في المشاعر بين سكان الخيام وسكان القصور ، والإنسان عبد بيئته وطبقته وأهله وجيرانه ، وقال سبحانه : (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) [الحديد : ٢٠].
٥٧ ، ٨١ ـ (نَحْنُ خَلَقْناكُمْ فَلَوْ لا تُصَدِّقُونَ (٥٧) أَفَرَأَيْتُمْ ما تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخالِقُونَ (٥٩) نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ (٦١) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولى فَلَوْ لا تَذَكَّرُونَ (٦٢) أَفَرَأَيْتُمْ ما تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْناهُ حُطاماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥) إِنَّا لَمُغْرَمُونَ (٦٦) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (٦٧) أَفَرَأَيْتُمُ الْماءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجاً فَلَوْ لا تَشْكُرُونَ (٧٠) أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَها أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِؤُنَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْناها تَذْكِرَةً وَمَتاعاً لِلْمُقْوِينَ (٧٣) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤) فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٨٠) أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١))
[الواقعة : ٥٧ ، ٨١]
بحثنا سابقا قضية الخلق ، فالإنسان مخلوق ، ولا يماري في هذه الحقيقة كافران اثنان ، فما دام الإنسان قد وعى أنه موجود ، وأن له هذا الجسد ، وله هذه النفس ، وله ميوله وطبعه وقصده فهو بهذا مدرك أنه لا يدان له في ما أوتي من نفس وجسد وميول وطبع ، وتذكر الآيات بمن خلق السموات والأرض ، والماء الذي يكون منه التناسل ، والماء الذي يشربه الإنسان ، والشجر الأخضر ، وهذه كلها في نظر الكافرين من نتاج طبيعة يجهلون كيف وجدت ، وكيف أوجدت قوانينها ، وكيف أوجدت هذه الأرزاق المتنوعة من ماء ونبات وحيوان ، ومثل الكافرين في هذا كمثل من عثر على كنز في باطن الأرض ، فهو يعمل على استخراجه ، وينتفع به ، دون أن يتفكر في حقيقة هذا الكنز كيف تكون في الأرض ، ولماذا كان كنزا ، وهم يردون
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
