المطلق ، ولهذا كان لون الجنتين غامقا ضاربا إلى سواد ، وتصير الملائكة المعقولات سببا للعروج إلى الحضرة الأحدية كما جاء في حديث المعراج أن النبي أدني من هذه الحضرة ، في حين تخلف جبريل رئيس المعقولات قائلا : لو تقدمت أنملة لاحترقت ، وفي هذا المقام قيل إن العارج بطيّه سموات المعارف تصير له مرتبة العقل القدسي ، الذي لا يعود صاحبه بحاجة إلى العقل الفعال ، أي جبريل ، ليأخذ منه ، بل تصير له القدرة على التعلم ذاتيا ، ولهذا جاء في الآيات أن في هاتين الجنيتن عينين نضّاختين ، أي فوارتين بالماء وهو ماء العلم الإلهي نفسه ، وأخيرا يصطفي الله من يشاء من عباده ليخصه بمقام القرب المسمى المقام المحمود ، والذي قال فيه صلىاللهعليهوسلم إنه لا يكون إلا لرجل واحد ، وما تفسيرنا للقرآن الكريم ، وما تأليفنا لكتبنا الصوفية السابقة إلا لنبرز دور مقام القرب هذا ، ولنكشف أهميته العظمى ، والذي يكون لإنسان واحد هو ممثل الإنسان الكامل صورة الله التامة ، ووارث علمه الأزلي القديم ووارث صفاته الذاتية من اتصاف بالأحدية والصمدانية والفردانية كما جاء في الحوار الذي جرى بين الحق سبحانه ووليه البسطامي القائل : خضنا بحرا وقفت الأنبياء بساحله.
والوصول إلى هذه الحضرة هو المعراج الروحي الذي عاشه النبي وإخوانه من بعده ، إنه عروج من الزمان والمكان إلى اللازمان واللامكان ، والوصول إلى عين الجمع حيث لا جمع إلا للجمع الذي هو الذات المشعة ذات الهيبة والعظمة والسلطان ، ويجد العارج نفسه صورة هذه الذات ، بل هو الذات ، فالنفاذ من أقطار السموات والأرض قد تحقق ، وإذا الإنسان في الدار الحيوان حيث لا شيء موجودا إلا الحي الرحمن.
إنها حضرة يمتد الجسم الجزئي فيها حتى يصير كليا مطلقا لا بشرط الإطلاق ، والناس أجزاء مبعثرة على أديم الأرض يغدون ويروحون ، مأخوذون من قبل المقاصد والغايات ، تحصرهم الدنيا وهمومها ومتاعبها والفشل والنجاح والصحة والمرض والولادة والوفاة ، والواصل فوق الناس أجمعين ، قد تحرر من نير الرق ، وإذا هو أمام النور المبين ، بل هو النور المبين ، فالمرآة قابلت الشمس فلا مرآة ولا مشكاة ولا مصباح ، بل هي حضرة عظيمة لا متناهية تجلت في هذه الأشكال ، أزلية قديمة باقية نورانية ، ويحار العارج في وصف هذا الكشف المبارك ، فهو هو ، وليس هو ، وهو أناه ، وأناه هو ، وليس هو أناه ، ولا أناه هو ، ولا أناه أناه ، فمحتّم أنه هو هو ، ولكنه شد إلى فلك الإطلاق فانطلق خارجا من قفص التعينات والسوى والأغيار ، فلا تعين هو ولا سوى ولا أغيار ، فهذا الإنسان قابل الحضرة ، فصار الحضرة ، وشارف الواحد القهار القوي الجبار ، له العظمة والكبرياء ، والجبر والجبروت ، لا
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
