وأدار أفلاك العوالم على أنفاسهم ، فهم محل نظر الحق من العالم ، بل هم محل الله من الوجود ، ولا أريد بلفظ المحل الحلول ولا التشبيه ولا الجهة ، بل أريد به أنهم محل ظهور الحق تعالى بإظهار آثار أسمائه وصفاته فيهم وعليهم ، فهم المخاطبون بأنواع الأسرار ، وهم المصطفون لما وراء الأستار ، جعل الله قواعد الدين ، بل قواعد جميع الأديان مبنية على أرض معارفهم ، فهي ملآنة ، من أنواع اللطائف لهم ، لا يعرفها إلا هم ، فكلامه سبحانه وتعالى عبارات لهم فيها إلى الحقائق إشارات ، ولأمره وتعبداته رموز ، لهم عندها من المعارف الإلهية كنوز ، ينقلهم الحق بمعرفة ما وصف لهم من مكانة إلى مكانة ، ومن حضرة إلى حضرة ، ومن علم إلى عيان ، ومن عيان إلى تحقيق إلى حيث لا أين ، فجميع الخلق لهم كالآلة حمال لتلك الأمانات التي جعلها الله ملكا لهذه الطائفة ، فهم يحملون الأمانة مجازا إليهم ، وهؤلاء يحملونها حقيقة لله تعالى ، فهم محل المخاطبة من كلام الله تعالى ومورد الإشارات ومجلى البيان ، والباقون ملحقون بهم على سبيل المجاز ، فهم عباد الله الذين يشربون من صرف الكافور ، فعباد الله مع الله على الحقيقة ، والأبرار مع الله على المجاز ، والباقون مع الله على التبعية والحكم على الحقيقة ، فالكل مع الله كما ينبغي لله ، والكل عباد الله ، والكل عباد الرحمن ، والكل عباد الرب أنشد ابن الفارض لما وصل مقام الجمع :
|
وأشهدت غيبي إذ بدت فوجدتني |
|
هنالك إياها بجلوة خلوتي |
|
وفي الصحو بعد المحو لم أك غيرها |
|
وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلت |
|
وما زلت إياها وإياي لم تزل |
|
ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت |
وأنشد بلسان الجمع :
|
ولولاي لم يوجد وجود ولم يكن |
|
شهود ولم تعهد عهود بذمة |
|
فلا حي إلا عن حياتي حياته |
|
وطوع مرادي كل نفس مريدة |
|
ولا قائل إلا بلفظي محدث |
|
ولا ناظر إلا بناظر مقلتي |
|
ولا منصت إلا بسمعي سامع |
|
ولا باطش إلا بأزلي وشدتي |
|
ولا ناطق غيري ولا ناظر ولا |
|
سميع سوائي من جميع الخليقة |
|
وفي عالم التركيب في كل صورة |
|
ظهرت بمعنى عنه بالحسن زينت |
وأنشد إبراهيم الدسوقي :
|
تجلى لي المحبوب في كل صورة |
|
فشاهدته في كل معنى وصورة |
|
وخاطبني مني بكشف سرائري |
|
فقال أتدري من أنا قلت منيتي |
|
فأنت مناي بل أنا أنت كلما |
|
تعينت الأشياء كنت كنسختي |
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
