والعارفين ، فالكشف الشهادة ، ويقول عبد الكريم الجيلي في الشهادة : شهد الحق بعين اليقين في سائر مخلوقاته ، فإذا رأى مثلا شيئا من المخلوق فإنه يشهد الحق تعالى في ذلك الشيء من غير حلول ، ولا اتصال ، ولا انفصال ، بل بما أخبر به سبحانه بقوله : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) [البقرة : ١١٥] ، فإذا صح للعبد هذا المشهد فهو مشاهد لله تعالى ، وهذا أعلى مناظر الشهادة ، ويقول في يوم الدين : العارف إذا فني في الله الفناء الثالث ، وانمحت أنيته ، وانسحق ، فقد قامت قيامته الصغرى ، فذلك مآله يوم الدين الذي هو يوم القيامة ، وقال ابن عربي : ما من عارف من حيث التجلي الإلهي إلا وهو على النشأة الآخرة ، قد حشر في دنياه ، ونشر في قبره ، فهو يرى ما لا يرون ، ويشهد ما لا يشهدون عناية من الله ببعض عباده في ذلك.
فالقيامة ، وقد قلنا إنها صغرى وكبرى ، تقوم يوم يقوم العارف من بين الموتى ليرى الحقيقة الكبرى ... ففريق من الناس وهم الكثرة الكاثرة ، يدعون إلى نار جهنم دعا ، أي يدفعون نحوها بقوة ، وذلك من قبل الدواعي الشيطانية وهيجان الشهوات وثوران الغضب ودعوى الأنانية ، فإذا المبعد في النار محجوب ، ولهذا قيل في الآية الخامسة عشرة (أَفَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥) ،) ولا بديل للإقامة في نار البعد ، لأنه لا بديل للعالم الحسي إلا عالم الروح ، وما دام الإنسان لم يتجاوز سور العالم الحسي ليصل إلى عالم الروح فهو خالد في النار مخلد في العذاب.
١٧ ، ١٩ ـ (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩))
[الطور : ١٧ ، ١٩]
المؤمنون ، وهم ثلة من الأولين ، وقليل من الآخرين ، قد دخل الإيمان في قلوبهم ، ثم صاروا محسنين حين أتاهم اليقين ، فكشف عنهم الحجاب فرأوا الله ظاهرا في الظاهرات ، ورأوا المعقولات ظاهرة في العيانات ، وما رأوا شيئا رأوا الله قبله كما قال الصديق الأكبر ، ومعه كما ذكر سبحانه أنه مع الإنسان أينما كان ، ثم رأوا الله هو العالم كلا وأجزاء ووحدة وتكثرا ، وكما قال ابن عربي : هناك مقام من يقول ما رأيت إلا الله ، فإن قيل له فمن الرائي ، قال هو ، فإن قيل له فمن السائل ، قال هو ، فإن قيل له فكيف الأمر ، قال نسب تظهر فيه منه له فما ثم إلا هو ، وهو عين ثم ، وهذا هو مشهد أبي يزيد البسطامي.
٢٠ ، ٤٩ ـ (مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
