فسواء تقبل الإنسان شريعة الحياة أم لا ، وشريعتها النقائض ، فإن عليه أن يعلم أن الله جعل الخير بين الخيطين الأبيض والأسود وأن الحياة في الغاب مؤلفة من الآكل والمأكول والمفترس والأليف ، وأن من أراد أن يعرف الله أن يحمل سيفه ويمتطي حصانه ، ويرفع شعار لا إله إلا الله ، وينطلق في أرض الله الواسعة باحثا عن الله.
٥٣ ، ٥٤ ـ (سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٥٣) أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ (٥٤))
[فصلت : ٥٣ ، ٥٤]
لو علم الناس ما في بطن هذه الآية من دلالة لخروا على الفور لله ساجدين ، ولعكفوا على أنفسهم دارسين متأملين متفكرين وقال عليهالسلام ساعة تفكر خير من سنة عبادة ، وقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ..
وكما بينا من قبل فإن الناس اعتادوا أن يجعلوا الله في كفة والعالم وهم في كفة أخرى ، وهم عند ما يتصرفون يتصرفون على أساس أنهم أحرار ، لهم هذا العالم وما فيه ، فإذا مستهم الضراء ، وإذا أصابتهم مصيبة فروا إلى الله مستغيثين ، ويغتاب الناس بعضهم بعضا ناسين أن لله الفعل والأمر ، وأنه هو الدهر ، وأن حقيقة القضاء والقدر ليست مجرد كلمات مسطرة في كتاب قديم ، وأن الله هو القائل وما رميت إذا رميت ولكن الله رمى ، وأنه القائل ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ، وهو القائل وإذا مرضت فهو يشفين ، وهو القائل ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ، وهو القائل وهو أقرب إليكم من حبل الوريد ، إلى آخر الآيات التي تفيد أن الله في الوجود ومع الإنسان ، وأنه باطن هذا الوجود المحسوس ، بل إن الصوفية ليقولون إن الإنسان بفكره هو الباطن ، وإن الله هو الظاهر ، وإنه لا أظهر منه ، وإنه ما خفي إلا لشدة ظهوره.
والنبي صلىاللهعليهوسلم القائل : «من عرف نفسه عرف ربه» ، فبين الخيطين الأبيض والأسود ، وهما في النفس ، وهما النفس ، هناك الله وهو السميع البصير العليم الحكيم المجيب الدعوات ، والقائم على كل نفس بما كسبت ، وأن له الأمر من قبل ومن بعد.
فعليك نفسك أيها الإنسان فهي الجدار ، وتحته كنز عظيم ، وهي العرش الذي استوى الله عليه حاكما قاهرا عدلا حرا يفعل ما يشاء لا إله غيره في العالمين ، فمن عرف نفسه عرف ربه ، لأن النفس مرآة الله ، ولأن الله خلق آدم على صورته
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
