أنا ربكم الأعلى .. في حين أن موسى علم حقيقة فرعون وحقيقة تفكيره ، وأن المكر الإلهي هو الذي جعل فرعون يدعي الربوبية ، وما هو إلا دابة ضعيفة حقيرة منقادة لا حول لها بذاتها ولا قوة ، منفعلة ، وقبل هذا كله هي مطية القضاء والقدر الذي جعل الناس قبضتين ، قبضة في الجنة وقبضة في النار ، وكيف لا يكون الأمر كذلك وعقل فرعون جزئي ، والعقل الجزئي شعاع من العقل الكلي ، ماله عنه غنى ، وما له بذاته قيام ، كما سبق القول عن علاقة العرض بالجوهر.
وهذه المسألة هي التي حيرت كانط حين نظر في الحرية الإنسانية فوجدها شيئا مخالفا لما قاله هو عن الأحكام القبلية والمعقولات السابقة على المحسوسات ، والتي تصب في قوالبها المحسوسات ، وخاصة ما يتعلق منها بالإنسان والفكر الإنساني ، يقول جلال الدين الرومي : لقد اخترت لعبة الأنا والنحن لتلعب مع نفسك لعبة العبادة ، وقال أيضا : الخالق يخلي قلوبهم كل مساء من مئات الآلاف من خواطر الخير والشر ، بينما هو في النهار يملؤها من تلك الخواطر ، ويجعل الأصداف حافلة بالدرر فهذا الحوار الإنساني باطني وظاهري هو في الوقت نفسه حوار إلهي باطني وظاهري ، والحرية التي تبدو حرية هي اللعبة الإلهية الخفية لإظهار الصفات كما قال هيغل في الموضوع ونقيضه ثم ظهور الصفة ، فالإنسان في تذبذبه بين الموضوع ونقيضه يصل إلى لحظة الاختيار فيختار فتبرز الصفة ، وقد سبق أن أوردنا قول الغزالي إن انجزام الإرادة ، أي الاختيار ذاته ، هو بأمر من الله ، فتكون العملية كلها إلهية مسرحها الإنسان ، وتظهر الصفات بعد المحاورات الدائرة كما قال الإمام أبو الحسن البصري : العدل مأخوذ من الاعتدال ، وقالت الحكماء ، الفضل هيئات متوسطة بين حالتين ناقصتين ، وأفعال الخير تتوسط بين رذيلتين ، فالحكمة واسطة بين الشر والجهالة ، والشجاعة واسطة بين التهور والجبن ، والعفة واسطة بين الشر وضعف الشهوة ، والسكينة واسطة بين السخط وضعف الغضب ، والغيرة واسطة بين الحسد وسوء العادة ، والتواضع واسطة بين الكبر ودناءة النفس ، والسخاء واسطة بين التبذير والتقتير ، والحلم واسطة بين إفراط الغضب وعدمه ، والحياء واسطة بين القحة والحصر ، والوقار واسطة بين الهزء والسخافة.
من هنا جاء معنى العبودية الإنسانية ، ولهذا سمي الإنسان عبدا ، ولهذا كان من معاني كلمة عبد في اللغة الإنسان ، فالإنسان عبد الله سواء أكان موسى أو كان فرعون ، وكيف يخرج فرعون على الله وهو مدرج في الوجود الإلهي ، وهو في حكم اسم من أسمائه هو المضل؟
فالإنسان عبد جاهل معنى عبوديته وفلك العبودية الذي يدور فيه جرمه ، وهذا حال الكثرة الكاثرة من الناس ، أما من شملته الرحمة ، وخصته العناية بسابقة حسنى فذلك الذي نجح في كسر قضبان قفص الأسماء وخرج إلى رحاب الألوهية الشاملة ، فكان الإنسان الكامل صاحب
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
