الأسماء إشارات إلى العاقلتين النظرية والعملية اللتين هما شعبتا الفكر نفسه ، وموسى ممثل الروح البارز إلى الفكر ليحذره نفسه كما قال سبحانه : (وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ) [آل عمران : ٢٨] ، والبروز علمي كما برزت الطبيعة بأسرها ونظامها وقوانينها للعلماء فتعلقوا بالأسباب وأبوا أن يعترفوا بمسبب الأسباب ومحرك الأسباب ومظهر المسببات.
٢٥ ، ٢٧ ـ (فَلَمَّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ وَما كَيْدُ الْكافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (٢٥) وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسادَ (٢٦) وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧))
[غافر : ٢٥ ، ٢٧]
لا يرضى العقل البشري بالتنازل عن عرشه ، وهذا ما أشارت إليه الآية قائلة على لسان فرعون إني أخاف أن يبدل دينكم ، ولينظر الإنسان في أحوال هذا الزمان يجد أن الفكر البشري هو الأمير ، بل هو السلطان الحاكم بأمره في هذا الكوكب ، وكلما مر الزمان قل الإيمان وكثر الإيمان بالعقل البشري وإمكاناته ، ولهذا استعاذ موسى من كل متكبر يصر على الاستكبار على الله.
وموسى يقول : (إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ ،) أي أن موسى علم أن ربه هو رب فرعون وهامان وقارون ، وإن كان هؤلاء لا يعلمون ما علمه ولقول موسى عليهالسلام نكتة تذكر بنظرية كانط القائل إن المبادئ العقلية والأفكار القبلية هي الحاكمة في العالم ، وإن العقل الإنساني لا يرى العالم إلا من خلال هذه المبادئ أو المنظورات العقلية ، وضرب كانط مثلا لهذا رجلا يضع على عينيه نظارة خضراء فهو لا يرى العالم إلا أخضر ، وأضاف كانط قائلا : إن الإنسان لا يستطيع أن يرى العالم كما هو ، أي على حقيقته ، بل هو يراه من خلال منظاره هو ، وقال كانط إن حقيقة الشيء في ذاته ، أي حقيقة العالم ، لا تعرف ، ولا سبيل إلى قرع أبوابها إلا عن طريق اتباع القانون الأخلاقي الذي هو جزء من النظام الوجودي العام وصوت الشيء في ذاته نفسه.
والمهم القول إن الإنسان محكوم بالقوالب العقلية ، ولهذا تحدثنا من قبل عن سجن الأسماء للإنسان فقلنا إن كل إنسان سجين اسمه وصفته ، وإنه ما من إنسان يستطيع الخروج من هذا السجن الذي هو طبيعته ذاتها وفكره ذاته ، فالاسم الإناء الذي يوضع فيه ماء الإنسان ، فكيفما كان شكل الإنسان ولونه كان الإنسان ، وهذا هو معنى الربوبية الحاكمة للوجود ظاهرا وباطنا ، ولهذا كان رب موسى هو رب فرعون وهامان ، لأن الأخيرين يعبدان ربا يرونه ربا ، وأن فرعون مد عينيه إلى احتلال مكانة الربوبية نفسها فانتحلها ، ووضع تاجها على رأسه وقال
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
