تعينات أسماء الجمال ذرية بعضها من بعض ، خالدة كلما فني منها جيل جاء جيل فهم أجداد وآباء وأبناء ، ويرث بعضهم بعضا كمالا وحسنا وبهاء ، وتثبت العلوم الطبية دور الجينات والصبغيات في حفظ الوارثة ، والدور الذي تقوم به الوراثة في حفظ الصفات الفيزيولوجية والنفسية ، وتتبعت العلماء هذا الخط الوراثي حتى انتهوا إلى الحيرة متسائلين : أين البداية والمبدأ ، ومن البادئ الأول؟ والآية تقول إن المبدأ والمبدئ عزيز حكيم ، ولهذا قال صلىاللهعليهوسلم : (لا ضرر ولا ضرار) ، وقال : (لا عدوى ولا طيرة) ، فقالوا : ما بال البعير الأجرب يعدي القطيع كله؟ فقال : (ومن أعدى البعير الأول)؟
٩ ـ (وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩))
[غافر : ٩]
إن لم يق الله الإنسان فلا واقي له ، ولهذا حذرت الصوفية كثيرا من داء العجب الذي يتربص بالعابدين السالكين ، فما دام الخير والشر جميعا من الله ، ويتحققان عن طريق الأسماء ، والخواطر فالأمر بالتالي لله ، فهو المستوي على عرش قلب الإنسان ، إن شاء هداه ، وإن شاء أضله ، وما لم يع الإنسان هذه الحقيقة الذاتية فسيبقى من أصحاب الكبائر ولا يعلم ، لأنه لم يعلم ما فضل الله عليه إذ وقاه السيئات ورحمه.
١٠ ، ١١ ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ (١٠) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١))
[غافر : ١٠ ، ١١]
الإماتة الأولى إماتة الصفة بالمكاشفة ، ولقد تحدثنا عن هذا الموت المعنوي الذي يعيشه أصحاب الذوق ، وهو ما سميناه المكاشفة ، أما الإماتة الثانية فهي إماتة النفس ذاتها ، وهو موت سميناه المشاهدة حيث يشاهد العارف في القيامة الصغرى كيف تموت نفسه الجزئية من حيث كونها جزئية ، وترجع من ثم إلى ربها راضية مرضية باعتبار الجزئي قد التحق بالكلي ما دام قد اشتق منه أصلا.
والإحياآن أولهما إحياء الصفة نفسها ، ولكن بعد أن تقوم بالله لا بنفسها ، أي حين يقوم العرض بالجوهر ، وهذا مقام عيسى عليهالسلام ، وحين تكون النار بردا وسلاما على قلب المؤمن ، والإحياء الثاني إحياء النفس ، وذلك بعد أن رجعت إلى ربها كما ترجع قطرة الماء إلى البحر الذي هو أصلها ، ويكون الإحياء الجديد حياة بالله طيبة هانئة منعمة سعيدة ، فترى العارف علما فردا ، ورث خير الدارين ، وجنى القطوف من أزواج الصفات كما حمل نوح في الفلك
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
