ما دام الإنسان ميتا جهالة وتحققا كما قال سبحانه من قبل : (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ،) فالنتيجة أن الأنفس ميتة بذاتها حية بالله قائمة بالله فالتوفي دائم لأن من يمد النفس بالحياة يتوفاها أيضا بعد كل نفس ، والأنفاس حية بالله متوفاة بالله ، أي أن الجسم آلة ، ميكانيكية لو لا الله ما عملت ، وهي بالله تعمل ، ووقودها الوقود الإلهي الذاتي الباطني المسمى الروح.
والله يتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها ، وهذه هي نفوس العارفين التي حييت بالعلم فقامت من بين موتى الجهل كما أحيا روح الله وكلمته المسيح أليعازر الذي كان ميتا ، فالعارفون أحياء ، والناس أموات ، وتوفي الله أنفس العارفين التي لم تمت في منامها هو اطلاع أصحابها كشفا وذوقا ومشاهدة على أن الله هو الحي ، وأن الإنسان ميت ، فالتوفي نوع من التعليم العالي هو العلم اللدني الذي ينجم عنه توفي أنفس العارفين ، أي قبضها من قبل الحق بالعلم ، ثم ردها إليهم ليتابعوا رحلة العلم بالله والحياة بالله وهي الحياة الحقيقية ، وهذا ما عبرت عنه الآية : (فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ ،) أي يمسك أنفس الجاهلين عنده ، ويرسل أنفس العارفين إلى أجسامهم ليقوموا بالله ... قال صلىاللهعليهوسلم : (من أراد أن ينظر ميتا يمشي على الأرض فلينظر أبا بكر).
٤٣ ، ٤٦ ـ (أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦))
[الزمر : ٤٣ ، ٤٦]
بدهي أن لله الشفاعة ما دام هو صاحب الأسماء والصفات الفعالة ، وبسبب وسع هذه الشفاعة وشمولها خص الله بها نبيه محمدا لأنه أرسل للناس كافة ، وأرسل رحمة للعالمين ، ومن باب الشفاعة دخل ابن عربي حاملا شعار قوله تعالى : (إن رحمتي سبقت غضبي) ، فبيّن أن رحمته عامة شاملة.
وتبع قوله تعالى : (لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) قوله : (لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً) وللاتباع لطيفة وهي كون الشفاعة نتيجة كون الله مليك السموات والأرض ، فهو الخافض الرافع ، المذل المعز ، يفعل في ملكه ما يشاء وبعبيده ما يشاء ، أفلا يكون الله الملك بعد هذا شفيعا؟
٤٧ ، ٤٨ ـ (وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨))
[الزمر : ٤٧ ، ٤٨]
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
