إذا جاء ظهرت الرحمة الرحمانية العامة فعمت الخلق أجمعين ، وتحقق قوله تعالى في الحديث القدسي : (ورحمتي سبقت غضبي).
أما العبد الذي ضربه الله مثلا فهو مثل بليغ ، فالعبد إن كان عبدا لجماعة حار بينهم وكيف يلبيهم ويخدمهم ، هذا إذا كانوا مسالمين ، فكيف إذا كانوا متشاكسين كما جاء في الآية؟ والإنسان حين يعبد هذه الصور الظاهرة من الخلق من دون الله هو ضائع حتما بين هذه الصور ، وهو إن أرضى رب صورة عجز عن إرضاء أرباب صور كثيرين ، فالمشرك حيوان ضائع ، وهو أناني بالضرورة بسبب كون الآخرين متشاكسين ، ولأن الأسماء متضادة متنازعة ، فلا قبل لمشرك على أن يكون غيريا وإن أراد ، لأن نفسه تستصرخه وتستغيثه وهو كالغريق في اليم متشبث بنفسه تشبث الغريق بلوح من الخشب عثر عليه ، أما من عبد الله وحده ، وعرف أنه لا شريك له في الملك ، وأنه هو رب الصور ، وأن هذه الصور تتحرك بإذنه ، فهذا الإنسان هو المتقي ربه ، وهو المرحوم ، وهو المستريح من عناء السفر وتعب المسير في الهجير ، فلقد أسلم أمره إلى ربه ، فهو له مؤمن ، وإليه مطمئن ، كيفما دارت الأيام تقبلها بقبول حسن موقنا أن الله رب الأيام والدهر لا يختار لعبده إلا ما هو خير.
٣٠ ـ (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠))
[الزمر : ٣٠]
الميت العرض الذي قام بالجوهر ، والإنسان عرض قائم بالروح الذي قال فيه سبحانه : (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) [الإسراء : ٨٥] ، والنبي كمظهر بشر من لحم ودم ، فهو ميت بذاته قائم بالله ، ومن حيي بالله فهو الحي وبالله أيضا ، والناس جميعا موتى لقيام أعراضهم بالجوهر الروحاني ، ولهذا أوردنا قول البسطامي في موضع سابق : رأيت الناس موتى فكبرت عليهم أربع تكبيرات.
٣١ ، ٣٥ ـ (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥))
[الزمر : ٣١ ، ٣٥]
الاختصام يوم القيامة ما يشاهده الحي الذي قام من بين الموتى يوم القيامة فرأى اختصام الناس ، وما اختصام الناس؟ إنه اختصام أسمائهم التي هي معقولاتهم ، والتي هي صفاتهم ، والإنسان صفة يصدر عنها فعل ، والصفات لله ، والله شاء اختصام الأسماء ، لأنه بالاختصام وحده يقوم الملك ويستوي الله على العرش.
![التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم [ ج ٢ ] التفسير الصوفي الفلسفي للقرآن الكريم](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F4154_altafsir-alsufi-alfalsafi-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
